لماذا العذاب وقد كتب الله كل شيء في اللوح المحفوظ؟
السؤال
إذا كان الله سبحانه قد حدد لنا منذ خلقنا مصائرنا، فهو سبحانه يعلم من منا سيدخل الجنة ومن سيدخل النار، إذًا أين إرادتنا في الأمر؟ وكيف أدخل النار لذنب كتب الله علي ارتكابه حتى قبل خلقي؟ أرجوك فعلًا سيدي الكريم لو كان لديك المزيد فأفدني به جزاك الله خيرًا وحاول التفكير في مقصدي وتساؤلي.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن الله تعالى جعل في خلقه حِكَمًا كثيرة، وقد خلق الله المفاسد والشرور لكونها تفضي إلى محبوبات عظيمة، فالعبد يجب عليه أن يبغض المعاصي لأن الله تعالى يبغضها، فيفعل العبد ما يرضي الرب من خلال بغضه للشر فيحب الله العبد، فتكون هذه الشرور وسيلة لحب الله لعباده إذا اجتنبوها، فهي من جهة العبد مبغوضة كونها شرور ومعاصي، ومن جهة خلق الرب لها مرضية محبوبة؛ لأنها توافق حكمة الله في خلقه، ولأنها تميز الخبيث من الطيب.
وقد يكون في هذا السؤال شيء من التعنت إذا أريد به نفي الحِكْمة الإلهية التي خلق الله تعالى لأجلها السموات والأرض ومن فيهن.
فإيقاع الابتلاء على الناس وامتحانهم حكمة عظيمة جليلة ينبغي لنا أن ننزلها منزلها وأن نوفيها قدرها، ولا يكون ذلك إلا بخلق العباد ومعرفة الصالح منهم من الطالح.
كما أن إقامة الحجة على العباد لا يمكن أن تكون إلا بإيجادهم وتمكينهم من معرفة الحق وبيان طرق الهدى لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجج والبراهين القاطعة على الناس وبيان الهدى من الضلال لكي لا يكون للناس على حجة بعد الرسل، ثم بعد إقامة الحجة ومعرفة الحق والباطل: إن سلك الناس مسلك التوحيد وعبدوا الله وأجابوه إلى ما أراد: كان مصيرهم إلى الجنة، وإن هم لم يجيبوه إلى ذلك: دخلوا النار.
ولو لم يقع الابتلاء والامتحان في الدنيا ثم عوقبوا بالآخرة على مقتضى القدر لاحتجوا على الله تعالى لأنه لم يرسل إليهم الرسل ولم يختبرهم ويمتحنهم ليعلم المطيع من العاصي فهذا يدل على بطلان دعوى المدعي بأن العلم السابق كاف في وقوع المقدور الذي يرونه ويريدونه على هذه الطريقة.
كما أن الله تعالى أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليهم أحكام أسمائه وصفاته فيظهر بذلك كماله القدسي، وإن كان الله لم يزل كاملًا، فمِن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره ونهيه وقدره ووعده ووعيده ومنعه وعطائه وإكرامه وإهانته.
ثانيًا:
يمكن للكافر والمسلم أن يقف على حقيقة القدر وما يقدّره الله من خير وشر بأن يعرف مراتب القدَر، ويمكننا تيسير أمرها بأن نقول:
لا يمكن أن يقع شيء في الوجود – من خير وشر – إلا ويكون الله قد علمه، فلله العلم الكامل الذي لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، وهي المرتبة الأولى.
وقد أمر الله تعالى بكتابة ما علم أنه سيقع في اللوح المحفوظ، وهي المرتبة الثانية.
ولا يقع ما علمه الله تعالى وأمر بكتابته إلا بعد مشيئته، فلا مشيئة لأحد – طائعًا كان أم عاصيًا – إلا من بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على عظيم قدرة الله تعالى وإحاطته بمخلوقاته، وهي المرتبة الثالثة.
وبعد أن علم الله وقوع الأشياء – خيرها وشرها – وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وشاءها فإنه يخلقها، فالله تعالى خالق الإنسان وخالق عمله، وهي المرتبة الرابعة.
* بعد هذا نقول:
هل يعني علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه للمعصية أنه يحبها تعالى ويرضاها؟ الجواب: لا، لأن الله تعالى حذَّر منها على لسان رسله وتوعد بعقوبة فاعلها، فكيف يقال إنه يحبها ويرضاها؟.
فإن قال قائل: وكتابته لها في اللوح المحفوظ؟ قلنا: لم يكتب الله تعالى إلا ما علم أنه سيقع من عبيده.
وهل يلزم من كتابته وتقديره للأشياء أن يكون محبًّا لها؟ الجواب: لا، فلا يحب الله تعالى إلا ما يأمر به وهو ما يسميه علماؤنا ” الإرادة الشرعية “، وأما الأولى فهي ” الإرادة الكونية ” وهي كل ما كان معلوما لله تعالى ومكتوبا ومقدرًا، وهذا فيه ما يحبه الله تعالى ويرضاه كالطاعة، وفيه ما يبغضه الله كالمعصية.
والخلاصة: تقدير الله تعالى للشر والمعصية لا لحبه لهما بل لعلمه بوقوعهما، ولا يمكن أن يقع في ملك الله تعالى ما لا يريده وما لا يعلمه وما لا يخلقه وإن كان مبغوضًا له سبحانه وتعالى.
ولما كان الله سبحانه وتعالى محبّاً للتوحيد والطاعة فإنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب ووعد بالثواب الجزيل لمن أطاع أمره، وتوعد لمن خالفه.
– ومن فرَّق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: زال عنه الإشكال.
والله أعلم.



بارك الله فيكم ياشيخ . لو تم التوضيح في الفتوى عن تساؤل الأخ : أين إرادتنا .. والقول بأن الله عز وجل جعل لنا اختيار . فربما هذا ما أراد السائل معرفته
جزاكم الله خيرا.