يشتكون ممن يطعن في العلماء والدعاة وينكر الكلام في الرقائق

السؤال

فيا شيخنا المبارك إننا جماعة من طلاب العلم في أحد البلاد الإسلامية نشكو إلى الله عز وجل من قلة الدروس التربوية التي يلقيها علماؤنا في بلدنا، بل إننا نخرج من هذه الدروس وقد زادت قسوة قلوبنا حيث أن المشايخ في بلدنا – ونشهد لله بأنهم يملكون علمًا كثيرًا – في دروسهم تتاح الفرصة أحيانًا لغيبة بعض العلماء والدعاة بدعوى التحذير والجرح والتعديل، بل إنهم يصرحون بأن الرقائق ليست من الدين في شيء، وكثيرًا ما يتهمون غيرهم من الدعاة الذين يعظون الناس ويؤثرون فيهم بأنهم مبتدعون في بكائهم كالصوفية!!

الشاهد يا شيخنا الفاضل: أننا يعلم الله أننا نتعطش لطلب العلم ولكننا نفتقر إلى التربية التي كنا نعهدها من علماء رحلوا عن الدنيا وعلماء آخرين نسمعهم في الأشرطة, فما السبيل؟ هل نعتزل حلق العلم هذه أم ماذا؟.

الجواب

الحمد لله

الذي تشكو منه – أخي الفاضل – يشكو منه كثير من الشباب في بلدان متفرقة، وقد ابتليت الأمة بمن جعل همَّه وديدنه التحذير من أهل العلم وأهل الخير، وتنفير الناس منهم، ومن تأمل المسائل التي من أجلها يحذرون وينفرون ويهجرون وجدها مسائل اجتهادية تدور بين الأجر والأجرين، ووجد أكثر يقول بها أهل العلم المعاصرون، وإن خالفوا فليس موقفهم من المخالف كموقف هؤلاء الذين لم يتربوا على خلق ولم يتعلموا علمًا ينفعهم وينفعون به الناس.

وقولهم إن الرقائق ليست من الدين قول فاسد منحرف، بل هو قول كفر، ومع إنكارنا عليهم إلا أننا لا نرى أنهم يقولون بمثل هذا القول، وهل يغفل أحد عما في كتاب الله تعالى من الرقائق؟ وهل يجهل أحد ما كان يعظ به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فتذرف عيونهم وتوجل قلوبهم؟ بل إن البخاري – رحمه الله – قد استعمل هذه الكلمة بعينها في صحيحه فجعل فيه كتابًا كاملًا وسماه ” كتاب الرقائق “، فأين هم عن هذا؟.

لكن تربية هؤلاء قاصرة ناقصة، وعلمهم الذي معهم ليس هو علم السلف، فقد قال الإمام أحمد – رحمه الله – ” رأس العلم خشية الله ” فأين هم من أخلاق السلف؟ وأين هم من علم السلف؟.

وها هم علماؤنا وأئمتنا قديمًا وحديثًا يحذرون من هذا المنهج المنحرف، والذي يصد عن سبيل الله تعالى، ويعظون المتكلمين في العلماء والدعاة، فلماذا لا يسمع هؤلاء كلامهم ولا يتبعونه وهم يزعمون أنهم يجلونهم ويأخذون عنهم؟.

وفي بيان أهمية التربية، وأن العلم من غير تربية ضرره أكثر من نفعه: قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والحاصل إن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من حسن الخلق، وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرنهم على إحسان الخلُق لتكون هذه المراكز مراكز تعليم وتربية؛ لأن العلم بدون تربية يكون ضرره أكثر من نفعه، لكن مع التربية يكون العلم مؤدِّيًا لنتيجته المقصودة، ولهذا قال الله تعالى: ) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) [ آل عمران / 79 ]، هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانيًّا بمعنى مربيًا لعباد الله على شريعة الله. ” كتاب العلم ” ( ص 251 ).

وفي بيان تحريم الطعن في العلماء وتنفير الناس منهم:

* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ما رأي فضيلتكم فيمن صار ديدنهم تجريح العلماء وتنفير الناس عنهم والتحذير منهم، هل هذا عمل شرعي يثاب عليه أو يعاقب عليه؟.

فأجاب بقوله:

الذي أرى أن هذا عمل محرَّم، فإذا كان لا يجوز للإنسان أن يغتاب أخاه المؤمن وإن لم يكن عالمًا: فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين؟ والواجب على الإنسان المؤمن أن  يكف لسانه عن الغيبة في إخوانه المؤمنين، قال الله تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) [ الحجرات / 12 ]، وليعلم هذا الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرَّح العالم فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبال رد الحق وإثمه على هذا الذي جرح العالم؛ لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا شخصيًّا بل هو جرح لإرث محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن العلماء ورثة الأنبياء فإذا جرح العلماء وقدح فيهم لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم وهو موروث عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جُرح، ولست أقول إن كل عالم معصوم، بل كل إنسان معرض للخطأ، وأنت إذا رأيت من عالم خطأ فيما تعتقده، فاتصل به وتفاهم معه، فإن تبين لك أن الحق معه وجب عليك اتباعه، وإن لم يتبين لك ولكن وجدت لقوله مساغًا وجب عليك الكف عنه، وإن لم تجد لقوله مساغًا فحذر من قوله؛ لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن لا تجرحه وهو عالم معروف مثلًا بحسن النية، ولو أردنا أن نجرح العلماء المعروفين بحسن النية لخطأ وقعوا فيه من مسائل الفقه: لجرحنا علماء كبارًا، ولكن الواجب هو ما ذكرت، وإذا رأيت من عالم خطأ فناقشه وتكلم معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه فتتبعه أو يكون الصواب معك فيتبعك، أو لا يتبين الأمر ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه وليقل هو ما يقول ولتقل أنت ما تقول.

والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا، وأما إذا تبين له الخطأ ولكنه أصر انتصارًا لقوله وجب عليك أن تبين الخطأ وتنفر منه، لكن لا على أساس القدح في هذا الرجل وإرادة الانتقام منه؛ لأن هذا الرجل قد يقول قولًا حقًّا في غير ما جادلته فيه.

فالمهم أنني أحذر إخواني من هذا البلاء، وهو تجريح العلماء والتنفير منهم، وأسأل الله لي ولهم الشفاء من كل ما يعيبنا أو يضرنا في ديننا ودنيانا.

” كتاب العلم ” ( السؤال 113 ).

* وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين:

ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقًا للقدح فيهم ورميهم بالبهتان؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك؟.

فأجاب بقوله:

العلماء – بلا شك – يخطئون ويصيبون، وليس أحد منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا ، بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلمًا للقدح فيهم، فإن هذه طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب، ولكن علنيا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به، حتى يتبين لنا لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه، أو خطأ في الفهم لما يقول، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء، وعلى كل حال: فمن سمع منكم عن عالم أو عن داعية أو عن إمام مسجد أو أي إنسان له ولاية، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون: فعليه أن  يتصل به وأن يسأله: هل وقع ذلك منه أم لم يقع، ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه، وإما أن يكون هو المصيب، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحيانًا ولا سيما بين الشباب.

وإن الواجب على الشباب – وعلى غيرهم – إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم وأن يسعوا بالنصح، والاتصال بمن نُقل عنه ما نُقل حتى يبين الأمر، أما الكلام في المجالس – ولا سيما في مجالس العامة – أن يقال ما تقول في فلان؟ ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين؟ فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقًا؛ لأنه يثير الفتنة والفوضى، فيجب حفظ اللسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه -: ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، وقال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجهوهم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم “.

وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيف ما شاءوا، فإنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد، حمانا الله وإياكم عما يغضبه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم.

” كتاب العلم ” ( السؤال 100 ).

والخلاصة: أنه يجب عليكم أن تنصحوا هؤلاء المتكلمين في العلماء والدعاة بغير حق، وأن تأخذوا على أيديهم، وأن تبينوا لهم خطر تنفيرهم الناس عنهم، وأن هذا التنفير لا يؤدي إلا إلى زيادة فساد الناس وانحرافهم، وهم يعلمون أنهم ومن يعظمون ليس لهم نصيب في دعوة العامة، وليس لهم أثر يُذكر في وعظهم ودلالتهم على ما ينفعهم، وها هي أشرطتهم ومحاضراتهم ليس فيها كلام عن الحجاب ولا عن التبرج ولا عن ترك الصلاة ولا غيرها مما يفع من الناس من مخالفات، بل إذا تكلموا في بعض تلك المسائل تكلموا في المخالفين لهم ممن يرى وجوب الخمار أو كفر تارك الصلاة، وعدوا تبنيهم لتلك الأقوال هو المنكر!.

وننصحكم أن تبحثوا عن النافع الصالح لكم، فإن لم يستجيبوا لكم ويكفوا ألسنتهم عن الطعن والتنفير والتحذير: ففي تركهم والالتفاف على غيرهم ممن يتحلى بحسن الخلق نفع عظيم لكم، ويمكنكم الاجتماع على أشرطة أهل العلم والاستفادة منها، كما يمكنكم متابعة الدروس المنهجية والوعظية التي تعقد في الانترنت – البال توك – وتستفيدون منها غاية الاستفادة.

ونحمد الله تعالى أن هدى الكثيرين من هؤلاء الطاعنين، وأرجعهم إلى صوابهم، ونسأله تعالى أن يهدي الباقين، ويجمع شمل المسلمين على ما يحب ويرضى.

 

والله الهادي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة