زرَع كِلية فهل يحج أم يوكِّل؟ وهل يصلي جماعة في المسجد؟
السؤال
أنا أبلغ من العمر 44 عامًا، ابتلاني الله سبحانه وتعالى بمرض الفشل الكلوي- والحمد الله على ذلك-، وخضعت لجلسات غسيل ما يقارب عامين، وتم عمل زراعة ناجحة لي منذ ثلاث سنوات، والآن أعيش على تناول أدوية كابتة للمناعة لمنع رفض العضو المزروع ، وهذا يجعلني ضعيف المناعة ضد الأمراض، يخشى معه التعرض لمتاعب صحية في حال الإصابة بأمراض معدية قد تهدد الحياة أو قد ينشط جهاز المناعة ويهاجم المصادر الدخيلة، ومن ضمن ذلك الكِلية المزروعة، في حال التعرض للأمراض الشديدة يؤدي إلى تدمير الكلية، ولهذا السبب لدي سؤالان:
الأول: أرغب في أداء فريضة الحج إن أمكنني هذا العام، وأخشى المضاعفات بسبب وضعي الصحي الذي ذكرته نتيجة تفشي الأمراض والأوبئة في موسم الحج كل عام، وأنا- والحمد الله- مازلت شابًّا ولديَّ القوة على تكبد عناء السفر وأداء مشاعر الحج، وقد وفقني الله سبحانه إلى أداء العمرة بعد الزراعة، وآخرها قضاء ثلاثة أيام من العشرة الأولى من رمضان قبل الماضي ولكن البقاء مدة أطول والتنقل من مكان إلى مكان وسط العدد الكبير ربما يكون مختلفًا تمامًا، وجمعية زراعة الأعضاء منحتني بطاقة تثبت إجراء الزراعة لي مبين بها أنه ينصح له الابتعاد عن أماكن الزحام وعدم الانقطاع عن الأدوية لتسهيل إجراء اللازم لي في حال الضرورة، وما شجعني على أداء الحج هو السماح لي بالصيام في شهر رمضان الماضي، وقد أنعم الله عليَّ وصمت الشهر كاملًا عدا أيام اضطررت إلى الإفطار بسبب نسياني أدوية المناعة قبل الفجر، وأنا حائر، هل أؤدي الفريضة حتى أنني سألت إن كان هناك حملة حج توفر خدمة خاصة تخصص لي مكانًا منفصلًا ووسيلة نقل خاصة بأي سعر أستطيع أن أدفعه، والبعض نصحني أن أوكِّل أحدًا للحج عني؟.
والصدق فإنني أرغب بالحج بنفسي خصوصًا وأن أمر رفض الكِلية المزروعة قد يحصل في أي وقت وأحيانًا بدون سبب كما حصل لي مرتين بعد الزارعة مباشرة، وبعد ثمانية أشهر، والآن الكلية في حالة مستقر وشبه عادية، ولا أعاني من شيءٍ، وفي حالة فشل الكلية معناه العودة إلى ما كنت عليه، وربما أحتاج جلسات أكثر مما كان قبل الزارعة، وهذا يصعِّب أمر أداء الحج لعدم توفر مكائن غسيل وصعوبة الوصول إليها، وأنا متردد هل أحج أم أوكل أحدًا غيري؟.
والسؤال الثاني:
ليس بقدر أهمية سابقه: هو خوفي أيضًا من العدوى نتيجة الصلاة في جماعة في مسجد مكتظ، وربما يكون من هو في جانبي شخص مريض بأمراض معدية وأنا ألاحظ هذا باستمرار من يأتي إلى المسجد وهو يعاني مثلًا من سعال وأنفلونزا أو بأمراض قد تكون غير ظاهرة الأعراض، ربما هذا الأمر لا يتعلق بمن لديهم نقص مناعة فقط بل حتى الأصحاء من المسلمين، فبماذا تنصح المرضى من المسلمين؟ هل يتجنبون الصلاة في المساجد حتى يزول ما بهم من مرض رأفةً بأنفسهم وفي إخوانهم الأصحاء أو من لديهم نقص مناعة في مثل حالتي خصوصًا أنه يمكن أن ينقل العدوى إلى أكثر من شخص ممن يخالطهم في المسجد؟ وهل هذا يكون من باب الرخصة للمريض من شهود الجماعة مع استطاعته وصول المسجد أم الرخصة للمريض أساسًا لمن لا يستطيع السير إلى المسجد من جراء المرض؟ وهل يمكن لمن لا تدعه نفسه التخلف عن الجماعة وهو مريض أن يتحرز من عدوى إخوانه من المصلين بالمسجد باستخدام كمامات واقية في المسجد وأثناء الصلاة، وإن كان ذلك جائزًا أن يحث الأئمة في المساجد المرضى على فعل ذلك وتذكيرهم بأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك.
وختامًا: حاولت أن أجد ردًّا على أسئلة شبيهة بحالتي ولم أجد، لذا آثرت بيان هذا السؤال على موقع فضيلتكم لعلمي الأكيد من كثرة من هم في حالتي وفي نفس ظروفي، وأن يكون الرد مفيدًا للجميع، وإن كان سبق لفضيلتكم علم بمن هم في مثل حالتي واستطاعوا الحج ما هي الاحتياطات والظروف التي هيئت لهم؟ وآمل من فضيلتكم عرض هذا الأمر على الأطباء المختصين في علم المناعة وزراعة الأعضاء لنكون أنا وأمثالي على بينة من الناحية الشرعية والطبية.
وفقكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الجواب
الحمد لله
أولًا :
الحج من أركان الإسلام، وقد أوجبه الله عز وجل على المستطيع، ومن الاستطاعة: ملك القدرة المالية للنفقة، والبدنية للسفر وأداء المناسك.
وقد حرَّم الله عز وجل إلقاء النفس إلى التهلكة، ومنع من كل ما يضر العبد، ورخَّص له– من أجل ذلك– ترك بعض الأركان جزئيًّا أو كليًّا بحسب حالته، فرخَّص للعاجز عن القيام في الصلاة بأن يجلس، ورخَّص للعاجز عن الصيام بأن يفطر ويُطعم.
ولا يختلف الحج عن تلك الأركان، فمن كان عاجزًا عن أدائه غير قادر على السفر إليه: فهو معذور، وله أن يوكِّل غيره للقيام به عنه.
* ومما يدل على ذلك:
حديث الخثعمية التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر البعير أفحج عنه؟ قال: حجي عنه – رواه البخاري ( 1442 ) ومسلم ( 1334 ) -.
فإذا كان هذا العاجز عن ركوب البعير معذورًا في أداء الحج فغيره من أصحاب الأمراض المعيقة عن أدائه أولى بالعذر.
وقد ذكر الأطباء أمثلة للعذر المعيق عن أداء الحج، ومنه: المرأة الحامل المعرضة للإجهاض المتكرر والتي تنتظر مولودًا، ومرضى الذبحة الصدري، والجلطة القلبية، ومرضى الفشل الكلوي المصاحب لقصور في وظائف أعضاء أخرى، وكذلك الذي يعانون من عدم انتظام السكر، كل هؤلاء ممنوعون من الحج بأمر الأطباء الذي أكدوا أن هذه الأمراض تشكل خطورة حادة على حياة المصابين بها إذا تأهبوا لأداء المناسك.
ومع هذا فإننا نقول: إن الله تعالى قد يسَّر في هذا الزمان من الراحة ويسر المناسك الشيء الكثير، ابتداء من السفر وانتهاء بطواف الوداع، وذلك بتيسير طرق الوصول إلى بيت الله الحرام مثل السفر بالطائرات، وكذا بالتنقل السهل واليسير بين المناسك.
ولكن يحتاج ذلك من أصحاب الأعذار لحسن اختيارهم لقافلة السفر وشركة المناسك التي تقوم على توصيلهم وتأدية المناسك، وكذا يحتاج الأمر من الحاج أن يبتعد عن مزاحمة الناس وذلك بأداء المناسك في غير وقت الزحام وبعيدًا قدر المستطاع عن الاحتكاك بالحجاج، فيستطيع– مثلًا– رمي الجمار بالليل، ويتخلص بذلك من مزاحمة الحجاج في نسك هو من أصعب المواضع على كثيرين، ويستطيع أن يؤخر طواف الإفاضة ليجزئه عن طواف الوداع، ويجعله بعد انصراف الحجيج بأيام، وهكذا في بقية المناسك.
والأخ السائل يقول إنه أدى العمرة مرتين ولم يحصل معه ما يضره، فالظاهر لنا أنه غير معذور بترك الحج على أن يحتاط في سفره ومناسكه بما ذكرناه له من تجنب الزحام والاحتكاك بالناس، مع الأخذ بعين الاعتبار بوصية الأطباء في قدرته على الحج أم لا، وتقديم الخدمات الخاصة لأمثاله من القائمين على المناسك متوفر وموجود، ونسأل الله أن يوفقه لأداء الحج ويسهل له أمره.
ثانيًا:
إن الآيات والأحاديث التي فيها إيجاب صلاة الجماعة كثيرة، وفيها – كذلك- الترهيب من ترك الجماعة.
وقد ذكر العلماء أعذارًا متعددة للتخلف بسببها عن الجماعة ومن أصح هذه الأعذار:
- أن يخاف ضررًا في نفسه أو ماله أو عرضه أو مرضًا يشق معه الذهاب.
- أو المط، والطين والبرد الشديد.
- مدافعة الأخبثين- البول و الغائط- أو أحدهما؛ لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها، وحضور طعام تتوقه نفسه.
- من أكل ثومًا أو بصلًا ونحوه حتى يذهب ريحه.
- الحبس في مكان، لقوله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } [ البقرة / 286 ].
وليس فيما ذكره العلماء من أعذار- بحسب النظر والاستقراء- عذر من كان به مرض يسير كالإنفلونزا، وعدوى هذا المرض ضعيفة لا تنتقل بالصلاة، إلا إن تكون قوية تضعفه عن الذهاب للمسجد أو يضره الخروج من المنزل.
وأما المرض المعدي بقوة كالجذام والطاعون: فمثل هذه الأمراض تكون عذرًا للخلف عن صلاة الجماعة.
فقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى منع المجذوم الذي يتأذى به من مخالطة الأصحاء والاجتماع بالناس لحديث ” فر من المجذوم فرارك من الأسد ” – رواه البخاري معلقًا، ووصله غيره كابن خزيمة وأحمد بإسناد صحيح، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 783 )-.
وقال الحنابلة: لا يحل لمجذوم مخالطة صحيح إلا بإذنه، فإذا أذن الصحيح لمجذوم بمخالطته جاز له ذلك.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 15 / 133 ):
ذهب الحنفية إلى كراهة الصلاة خلف المجذوم ، وأجاز المالكية إمامة من قام به داء الجذام, إلا أن يشتد جذامه بحيث يضر بالناس فينحى وجوبًا عن الإمامة، وكذا عن الجماعة, فإن أبى أجبر على التنحي.
هذا ولم نجد في المسألة نصًّا صريحًا عند الشافعية والحنابلة إلا أنهم يقولون بمنع مجذوم يتأذى به من حضور مسجد وجماعة.
وننبه إلى أن العدوى سبب قد يقدِّر الله تعالى انتقالها للصحيح وقد لا يقدِّر، فليس هذا إلا من باب الأخذ بالأسباب.
والله أعلم.


