أكلت حق إخوتها في الميراث فهجرها أخوها فهل يلحقه إثم؟
السؤال
أبي رجل تقي وصالح ومتدين – والحمد لله – وقارئ لكتاب الله وحافظ للقرآن، وكان بارًّا لوالديه – رحمهما الله – إلى أقصى درجة، ويصل رحمه، ولا يتخلى عن أخواته أبدًا ما عدا إحدى أخواته فهو لا يكلمها منذ أن توفى جدي منذ حوالي 3 أعوام تقريبًا، وكان إذا قابلها صدفة عند أحد من عماتي لا يسلم عليها ويدير وجهه عنها, وذلك طبعًا بسبب وهو أنها – سامحها الله – قد اغتصبت حق أخواتها في الميراث وهم محتاجون أكثر منها بكثير فهي غنية ولا تحتاج إلى هذا إطلاقًا.
إن أبي – والحمد لله – لا يحتاج إلى هذا الميراث، فالحال ميسور معنا جدًّا – والحمد لله – ولكنه متأثر من أجل أخواته رغم أنهم يعاملوا عمتي هذه بحسن وقد تناسوا ما فعلت فيهم من أجل صلة الرحم، وأنا أخشى على والدي من معاداتها هذه وقطعه لصلة الرحم معها.
كلمناه جميعًا وحاولت أمي مرارًا أن تقنعه بأن يسامحها، ولكنه يرى أن هذا هو الصواب وأنها [ لا تستحق أن يسأل عنها أحد ]، ومن الواضح أن الشيطان وجد أبي رجلًا تقيًّا فدخل له من هذا المدخل ونحن نخشى عليه من غضب الله ولا ندري ماذا نفعل معه؟ ولا نريده أن يضيع كل حسناته وإيمانه بسبب كهذا.
معذرة على إطالتي في الكلام، وأرجو الإفادة، و شكرًا.
الجواب
الحمد لله
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرءوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم }. رواه البخاري ( 5641 ) ومسلم ( 2454 ).
– وتتمة الآية: { أَوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ }.
ومعناها: فهل يتوقع منكم أنكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أفسدتم وقطعتم الأرحام، أولئك الذين أبعدهم الله عن رحمته فأصمهم عن استمـاع الحق، وأعمى أبصارهم عن طريق الهدى لأنهم اختاروا ذلك.
عن جبَيْرَ بْنَ مُطْعِم أَنه سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ “. رواه البخاري ( 5638 ) ومسلم ( 2556 ).
والهجر – في الأصل – حرام، ولكنّه يجوز هجران صاحب المعصية إن كان الهجر سيردعه عن معصيته.
وما جاء في السؤال عن الأخت التي أخذت حق إخوتها لم يصلحه الهجر، فهو أمر قديم مضى عليه 3 سنوات، ثم إن أخواتها قد سامحنها على فعلها، ولم يبق إلا الأخ المتدين والذي ينبغي أن يكون هو صاحب المبادرة في الصلح وصلة الرحم، فإذا كان لم ينفع هجره لها هذه المدة: فإن الواجب عليه أن يدعه ويرجع إلى الصلة والتودد فلعل هذا أن يجدي فيها أكثر من الهجر.
إن من صلة الرحم أن تغفر الهفوة، وتستر الزلة؛ وما العقل والفضل والنبل إلا أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتحلم على من جهل عليك، وعلاقات الرحم ووشائج القربى لا تستقيم ولا تتوثق إلا بالتغافل، فمن شدد نفَّر، ومن تغاضى تآلف، والشرف في التغافل.
والواجب على هذه ” العمة ” أن تتقي الله في إخوتها وأن ترجع لهم حقوقهم، وإلا فالوعيد المترتب على هذا الفعل سيلحقها، فهي آكلة لأموال الناس بالباطل, وسينبت جسدها بالحرام، والنار أولى بهذا الجسد.
قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا } [ النساء / 29 ].
والله أعلم.


