هل يجب على الزوج ادخار المال لمستقبل الأولاد؟

السؤال

ما هي حقوق الزوجة والأبناء في مكتسبات الزوج في الإسلام؟ هل يجب عليه أن يدخر المال لمستقبلهم؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على الزوج النفقة على زوجته وأبنائه، وهذا مقتضى قوامة الرجال على نسائهم، ومقتضى المسئولية تجاهها وتجاه أبنائه، قال تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } [ النساء / 34 ].

عن عائشة قالت: دخلت هند بنت عتبة – امرأة أبي سفيان – على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. رواه البخاري ( 2097 ) ومسلم ( 1714 ).

قال النووي:

في هذا الحديث فوائد، منها: وجوب نفقة الزوجة, ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار، ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد.

” شرح مسلم ” ( 12 / 7 ).

وهذا الواجب على الأب تجاه زوجته أولاده لا يجوز له التقصير فيه ولا تضييعه، بل يلزمه القيام به على الوجه الأكمل.

وبه يُعرف: أن الأولاد – ومعهم الزوجة – لا حقَّ لهم في مال أبيهم إلا قدر ما يحتاجونه من نفقة، وهي نفقة الطعام والشراب واللباس والمسكن وما لا تقوم الحياة إلا به، وليس لهم أكثر من ذلك، وهم يرثونه مع غيرهم – من والده ووالدته وزوجاته – وهو يدل على أن ماله ليس كله لهم، وقد ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث هند في قوله ” بالمعروف “.

ثانيًا:

ويجوز للأب أن يدَّخر من المال والقوت ما يكفي أهله لسنة، وبعض العلماء منع من ذلك وقوله مرجوح، ومنهم من أطلق جواز الادخار ولو لأكثر من سنة وقوله محتمل.

قال الإمام البخاري:

باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال.

وروى تحته حديث عمر رضي الله عنه:

عن ابن عيينة قال: قال لي معمر: قال لي الثوري: هل سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني، ثم ذكرت حديثًا حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.

رواه البخاري ( 5042 ) ومسلم ( 1757 ).

قال الحافظ ابن حجر:

قوله ” باب حبس الرجل قوت سنة على أهله, وكيف نفقات العيال؟ ” ذكر فيه حديث عمر, وهو مطابق لركن الترجمة الأول, وأما الركن الثاني وهو كيفية النفقة على العيال فلم يظهر لي أولًا وجه أخذه من الحديث, ولا رأيت من تعرض له, ثم رأيت أنه يمكن أن يؤخذ منه دليل التقدير؛ لأن مقدار نفقة السنة إذا عُرف عرف منه توزيعها على أيام السنة، فيعرف حصة كل يوم من ذلك, فكأنه قال: لكل واحدة في كل يوم قدر معين من المغل المذكور, والأصل في الإطلاق التسوية.

” فتح الباري ” ( 9 / 503 ).

وقد ورد ما يدل على عدم ادِّخاره صلى الله عليه وسلم شيئًا للمستقبل، وهو حديث حسن، وهو محتمِل لكونه ما كان ليدخر لنفسه لا لغيره من أهله، أو أنه ما كان يدخر شيئًا يتطرق إليه الفساد من الأطعمة.

عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئًا لغدٍ.

رواه الترمذي ( 2362 ).

قال النووي:

وفي هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته، كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم. ” شرح مسلم ” ( 12 / 70 ، 71 ).

وقال الحافظ ابن حجر:

قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة, وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث ” كان لا يدخر شيئًا لغد ” فيحمل على الادخار لنفسه وحديث الباب على الادخار لغيره, ولو كان له في ذلك مشاركة, لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجَدوا لم يدخر, قال: والمتكلمون على لسان الطريقة – أي: المتصوفة – جعلوا – أو بعضهم – ما زاد على السنة خارجًا عن طريقة التوكل، انتهى.

وفيه إشارة إلى الرد على الطبري حيث استدل بالحديث على جواز الادخار مطلقًا خلافًا لمن منع ذلك, وفي الذي نقله الشيخ تقييد بالسنة اتباعًا للخبر الوارد, لكن استدلال الطبري قوي, بل التقييد بالسنة إنما جاء من ضرورة الواقع لأن الذي كان يدخر لم يكن يحصل إلا من السنة إلى السنة, لأنه كان إما تمرًا وإما شعيرًا, فلو قدِّر أن شيئًا مما يُدَّخر كان لا يحصل إلا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار لأجل ذلك, والله أعلم.

ومع كونه صلى الله عليه وسلم كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجره منهم لمن يرد عليه ويعوضهم عنه, ولذلك مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتا لأهله. ” فتح الباري ” ( 9 / 503 ).

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والمراد أنه كان لا يدخر شيئًا لغدٍ مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها؛ لما ثبت في ” الصحيحين ” عن عمر، أنه قال: كانت أموال بني النضير… – وساق الحديث السابق -. ” البداية والنهاية ” ( 4 / 433 ) طبعة دار الفكر.

– وقال ابن حجر – يرد على من زعم أن تعاطي الأسباب يؤثر في كمال التوكل :

والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعًا لسنته وسنة رسوله فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين ولبس على رأسه المغفر وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة وأذن بالهجرة إلي الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 212 ).

والخلاصة:

أنه يجب على الأب أن ينفق على أولاده وزوجته، وأن هذه النفقة تشمل ضرورات الحياة، ولا يحل له التقصير فيها، ولا يحل لهم أخذ ما زاد عن النفقة الواجبة لهم في حال امتنع عن النفقة عليهم.

وأنه يجوز للأب أن يدخر من المال ما يكفي لأهله سنة أو أكثر، وأن ذلك لا ينافي التوكل، مع ضرورة التنبيه إلى وجوب الزكاة على المال المدَّخر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة