البعث وأنواع الحشر الدنيوي والأخروي والحساب
السؤال
أين سيحاسب الناس بعد البعث؟ وأين هي أرض المحشر؟ وهل ورد تحديد لمكانها في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؟.
وكيف سينتقل الناس إلى الجنة أو إلى النار بعد انتهاء الحساب؟ فقد أشكل علي فهم قوله تعالى في سورة الفجر { وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا. وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنَّى له الذكرى } فقد قرأت في التفسير أن الملائكة تجر النار من أزمَّتها يوم القيامة، كيف أربط بين تفسير الآية وبين وجود النار والجنة في السماء؟ .
الجواب
الحمد لله
أولًا:
– ورد الحشر ” في الكتاب والسنة على أربعة أنواع: اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة:
أما اللذان في الدنيا:
- حشر بني النضير في الشام، وقد أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [ الحشر / 2 ].
- حشر الناس قبل القيامة إلى الشام، وفي الآية السابقة إشارة إلى مكان هذا الحشر، وقد جاء في السنة ما يبيِّن أن الله تعالى يحشرهم بنارٍ تخرج من ” عدن ” في اليمن.
وهذا الحشر الدنيوي جاء في السنة أن الناس فيه يكونون على أحوال منهم الطاعم الكاسي الركب، ومنهم الذي يركب على البعير تارة ويمشي تارة، ومنهم الذي تسوقه النار وتحيط به، كما رواه البخاري ( 6157 ) ومسلم ( 2861 ) من حديث أبي هريرة، وجاء في حديث آخر أن الكافر يحشر على وجهه كما رواه البخاري ( 4482 ) ومسلم ( 2806 ) من حديث أنس.
قال الحافظ ابن حجر:
ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانًا, ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم, وأما الكفار يحشرون على وجوههم. ” فتح الباري ” ( 8 / 492 ).
وفي كون هذا الحشر في الشام أدلة كثيرة ، ومنها:
أ. عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنكم تحشرون رجالًا وركبانًا وتجرُّون على وجوهكم هاهنا- وأومأ بيده نحو الشام- . رواه أحمد ( 33 / 233 ) والترمذي ( 2424 ) – دون ذكر الشام – والحاكم ( 4 / 608 ) والروياني في ” مسنده ” ( 2 / 110 ). وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم والألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2298 ).
ومنها:
ب. عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الشام أرض المحشر والمنشر “.
رواه أبو الحسن بن شجاع الربعي في ” فضائل الشام ” كما قال السيوطي. وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3726 ).
- والحشر الثالث: وهو ما يكون في الآخرة وهو الحشر إلى الموقف، قال الله تعالى: { ويَوْمَ نسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } [ الكهف / 47 ].
وهذا الحشر هو الذي يكون الناس فيها حفاة عراة غرلًا– غير مختونين– كما رواه البخاري ( 3171 ) ومسلم ( 2860 ) من حديث ابن عباس، ويكون على أرض بيضاء إلى حمرة ليس فيها معلم لأحد، كما رواه البخاري ( 6156 ) ومسلم ( 2790 ) من حديث سهل بن سعد، وهي المشار إليها في التبديل المذكور في قوله تعالى { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ إبراهيم / 48 ]، ومن العلماء من يقول: تبدل ذاتها وصفاتها، ومنهم من يقول: تبدَّل صفاتها فقط، وهو الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور.
وفي هذا الحشر تكون أشياء كثيرة منها: دنو الشمس من رؤوس الخلائق، ومنها: الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم ليفصل الله بين العباد كما رواه البخاري ( 3162 ) ومسلم ( 194 ).
- والحشر الرابع: هو حشرهم إلى الجنة والنار، قال الله تعالى: { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ] [ مريم / 86 ]، وقال تعالى: { الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الفرقان / 34 ].
ثانيًا:
وفي الحشر الثالث يأتي الله تعالى للفصل بين العباد كما قال تعالى– مهددا الكافرين-: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } [ البقرة / 210 ].
– وتأتي الملائكة صفًّا صفًّا كما في الآية السابقة.
– ويُؤتى بجهنم مع الملائكة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملَك يجرونها كما رواه مسلم ( 2842 ) من حديث عبد الله بن مسعود، وهو المراد في قوله تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } [ الفجر / 22 ، 23 ].
قال ابن كثير- في تفسير آيات ” الفجر “-:
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فقال تعالى { كلّا } أي: حقًا، { إذا دُكت الأرض دكًّا دكًّا } أي: وطئت ومهدت وسويت الجبال وقام الخلائق من قبورهم لربهم، { وجاء ربك } يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحد بعد واحد فكلهم يقول لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله تعالى في ذلك وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم في بيانه في سورة ” سبحان “، فيجيء الرب تعالى وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.
وقوله تعالى { وجيء يومئذ بجهنم – وذكر حديث ابن مسعود-.
” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 511 ).
وفي هذه الحال وهذا الموقف يكون الحساب، ويأمر الله تعالى بالكتب التي كتبها الملائكة وفيها أعمال الناس فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك هم السعداء، ومن أوتيها بشماله ثم من وراء ظهره فأولئك هم الأشقياء.
وبعدها: يدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، فمن حكم الله تعالى له بالنار أُدخل فيها ويساق إليها سوْقاً ويُدخل فيها بالإهانة والتحقير ويلقى فيها إلقاءً بناصيته وقدميه، وفي مثل هذا يقول الله تعالى { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ } [ الرحمن / 41 ]. ، ومن حُكم له بالجنة أدخله الله فيها– بعد مروره على الصراط- ويدخلونها على أحسن حال وأفضل هيئة.
وننبه إلى أن الله تعالى يبدل الأرض غير الأرض والسموات غير السموات فالسؤال عن كيفية حدوث الأشياء والمواقف فيها تكلف نهينا عنه، وليس علينا إلا الإيمان بما أخبر بما جاءنا في الشرع والاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح.
والله أعلم.


