هل يعق والديه لأنهم يفرقون بينه وبين إخوته؟
السؤال
أشكركم على هذا الموقع المميز، وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم يوم القيامة، أما بعد:
فمشكلتي تتلخص في أمي وأبي اللذين يفرقان في المعاملة بيني وبين أخوتي, أنا لا أتوهم هذا الأمر، حتى إن إخوتي اعترفوا بهذا الأمر، فهم يفضلون إخوتي علي، وسؤالي هو هل يحق لي أن أعق والدي بسبب هذا التفريق في المعاملة.
– أرجو أن تجيبوا علي هذا السؤال ، ولكم جزيل الشكر.
الجواب
الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنك صالح العمل، وأن يوفقنا للمزيد من فضله.
أولًا:
لا يحل للوالدين أو لأحدٍ منهما أن يفرِّق في المعاملة الظاهرة بين أبنائه؛ لما في ذلك من مخالفة الشرع، ولما يسببه ذلك من إيغار الصدور بعضهم على بعض.
ولم يرد في الشرع توصية الوالدين بالأبناء؛ وذلك لأن الله تعالى أودع فيهم حب الذرية والحنو عليها، فلم يركز الشرع على توصية الأصول بالفروع لأنها بطبيعتها ستحافظ عليها وتؤثرها على نفسها، وقد تقع مخالفة من الآباء في تفضيل بعض الأبناء على بعض فيأتِ الشرع ليقوِّم هذه الحالة، ويبيِّن خطأها ومخالفتها للشرع.
عن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة ثم بدا له فقالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لابني فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بشير ألك ولد سوى هذا قال نعم فقال أكلهم وهبت له مثل هذا قال لا قال فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جوز.
رواه البخاري ( 2507 ) ومسلم ( 1623 ).
ثانيًا:
قال تعالى { ووصينا الإنسـان بوالديه حسنًا فإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ 8 / العنكبوت ]، في هذه الآية قضى الله على الولد ببر والديه وأن لا يعقهما حتى ولو كانا مشركين، ولو جاهداه على أن يشرك بالله.
وقد وصَّى الله تعالى هذا الابن بأن يحسن إليهما، وأن لا يطيعهما في الشرك بالله، وهذا من حكمة شرعه وعدله سبحانه بأنه لم يأذن للولد بأن يعق والديه في حالـة شركهما بالله – وأولى منه في حال معصيتهما- بل يصاحبهما في الدنيا معروفًا كما قـال تـعـالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أُمّهُ وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إليَّ ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ لقمان / 15 ].
ثالثًا:
وحتى في حال تفضيل الآباء بعض الأبناء على بعض، بل وفي حال أخذ أموال الأبناء بغير حق: فإن ذلك لا يبيح للابن أن يعق والديه، بل الواجب عليه الصبر والتحمل، والملاطفة في النصح والتذكير؛ فإن حقهما لا يزول بفعلٍ واحد تجاه أبنائهم.
عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه- قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، قال: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُتلت وحرِّقت، ولا تعقنَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك “. رواه أحمد ( 2157 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 570 ).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال يا رسول الله علِّمني عملًا إذا أنا عملتُه دخلتُ الجنة، قال: لا تشرك بالله شيئًا وإن عذبتَ وحرقتَ، أطع والديك وإن أخرجاك من مالك ومن كل شيء هو لك “. رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 8 / 58 )، وحسَّنه المنذري والألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 569 ).
فهذه نصوص صريحة في وجوب طاعة الوالدين وتحريم عقوقهما حتى في حال أخذ أموال الابن بغير وجه حق، فعُلم أن تفضيل الوالدين بعض أبنائهم على بعض إثم ومعصية وهو ليس بمسوغٍ لعقوقهما.
والله أعلم.


