هل تسقط الأحكام التكليفية عن فاقد التمييز؟

السؤال

والدي كبير في السن وينسى أمورًا كثيرة لدرجة أنه لا يعرفنا نحن أبناءه فهل تسقط عنه الصلاة؟ هو يعرف أنه يوجد صلاة ولكن يصلي كل الفروض ركعتين وأحيانا ثلاث، وماذا بشأن الصيام فهل نخرج عنه أم لا؟ وهل يعتبر في منزلة السفيه؟.

الجواب

الحمد لله

العقل من شروط التكليف، فمن سقط تمييزه بفقدان عقله: فإن التكاليف الشرعية تسقط عنه، فلا يطالب بصلاة ولا بصيام، وتبقى الحقوق المالية واجبة في ماله كالزكاة والنفقات الواجبة على أقربائه المحتاجين.

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل – أو يفيق – “.

رواه أبو داود ( 4392 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 ). وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود ” ( 4 / 139 ).

قال ابن حزم:

وأما من لم يبلغ, أو بلغ وهو لا يميز ولا يعقل أو ذهب تمييزه بعد أن بلغ مميزًا: فهؤلاء غير مخاطبين ولا ينفذ لهم أمر في شيء من مالهم لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاث, فذكر الصبي حتى يبلغ, والمجنون حتى يبرأ “. ” المحلى ” ( 7 / 200 ).

وقال الشيخ ابن عثيمين:

وأما العاقل فضده: المجنون الذي لا عقل له، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، وهو ما يعرف عندنا بالمهذري فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / السؤال الأول ).

وسئل الشيخ:

عن رجل كبير أصبح لا يشعر بنفسه لكبر سنه، فهو يتوضأ في أي وقت من الأوقات ويحسن الوضوء، ولكنه يصلى في  غير الوقت، ويقول في صلاته بعض الألفاظ التي لا تمت إلى الصلاة بصلة، ويصلى الفريضة أكثر من مرة في اليوم. فهل صلاته مقبولة؟ وماذا على أهله في ذلك؟.

فأجاب بقوله:

مادام هذا الرجل قد سقط تمييزه، ولا يدري هل هو في عبادة أم في غير عبادة: فإنه لا صلاة عليه؛ لأنه قد بلغ سنًّا سقط به التمييز، فأصبح بمنزلة الطفل الذي ليس عليه صلاة، وهو بهذه الحال مرفوع عنه القلم ولو كان لديه تمييز وعنده من يذكره فإنه في هذه الحال يؤمر  بالصلاة، ويكون عنده أحدكم، يقول له: كبِّر، اقرأ الفاتحة، اركع، ارفع من الركوع، اسجد، اجلس بين السجدتين، إلى أخر أركان الصلاة، ويكون لكم بذلك أجر عند الله سبحانه وتعالى، لأن التعاون على البر والتقوى من طاعة الله سبحانه وتعالى.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / السؤال الخامس ).

وسئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-:

فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليهم الصيام؟.

فأجاب بقوله:

إن الله سبحانه وتعالى أوجب على المرء العبادات إذا كان أهلًا للوجوب، بأن يكون ذا عقل يدرك به الأشياء، وأما من لا عقل له فإنه لا تلزمه العبادات، وبهذا لا تلزم المجنون، ولا تلزم الصغير الذي لا يميز، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى، ومثله المعتوه الذي أصيب بعقله على وجه لم يبلغ حد الجنون، ومثله أيضًا الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة، كما قال هذا السائل، فإنه لا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا طهارة؛ لأن فاقد الذاكرة هو بمنزلة الصبي الذي لم يميز، فتسقط عنه التكاليف فلا يلزم بطهارة، ولا يلزم بصلاة، ولا يلزم أيضًا بصيام، وأما الواجبات المالية فإنها تجب في ماله وإن كان في هذه الحال، فالزكاة– مثلًا- يجب على من يتولى أمره أن يخرجها من مال هذا الرجل الذي بلغ هذا الحد؛ لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال، كما قال الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }، قال: { خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ولم يقل: خذ منهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ- رضي الله عنه- حينما بعثه إلى اليمن: ” أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم “، فقال: ” صدقة في أموالهم ” فبيَّن أنها من المال، وإن كانت تؤخذ من صاحب المال.

وعلى كل حال: الواجبات المالية لا تسقط عن شخص هذه حاله، أما العبادات البدنية كالصلاة، والطهارة، والصوم: فإنها تسقط عن مثل هذا الرجل؛ لأنه لا يعقل.

” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 94 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة