هل صح شيء في ليلة النصف من شعبان؟
السؤال
أنا مسلم من الهند وقبل أن أزور موقعكم كنت أمارس بعض أنواع الشرك والبدع والحمد لله فقد هداني وهذا بفضل موقعكم وسوف أدعو الله لكم.
في موقع WWW.ASK-IMAM.COM يوجد سؤال عن ليلة النصف من شعبان وذكر حديثًا يذكر فيه صحة العبادة في تلك الليلة وذكر عدة أحاديث عن عائشة رضي الله عنها عن فضل تلك الليلة وبالرغم من هذا فموقعكم ينكر هذا تمامًا، أنا محتار، فأرجو التوضيح.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نحمد الله سبحانه وتعالى أن هداك ويسَّر لك أمرك، وما وفقك الله إليه حُرمه الكثيرون، فالواجب عليك كثرة شكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، والمحافظة على وسائل الثبات على دينه، وسلوك الطريق الصحيح لفهم الدين، وهو الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على فهم القرون المفضلة الثلاثة وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم.
وقد أجمع العلماء على أن الواجب على المسلم: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل والأحكام إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حكما به – أو أحدهما – فهو الشرع الواجب الاتباع، وما خالفهما – أو أحدهما – وجب اطراحه، وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله.
قال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [ الشورى / ]، وقال تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا } والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضى بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان، وخير للعباد في العاجل والآجل.
ثانيًا:
لا داعي للحيرة إذا كانت المسألة مرجعها إلى الكتاب والسنَّة الصحيحة، ولتعلم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإن ما جاء به يجب الأخذ به ويحرم رده.
فما تقرؤه في موقعنا لا يكون إلا مستندا إلى الكتاب والسنَّة على فهم خير القرون، ولعلك لاحظتَ أننا لا نستدل إلا بما صحَّ من الأحاديث، ولا نجيز لأحدٍ أن يتعبَّد الله تعالى بعبادة غير مشروعة، وأننا لا نتبنى مذهبًا فقهيًّا واحدًا لا نحيد عنه، بل نأخذ من العلماء الثقات ما كان مستندًا إلى الدليل الصحيح، وأننا نتبنى اعتقاد السلف الصالح ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الاعتقاد والمنهج والفهم للدين.
ثالثًا:
وما قرأتَه في الموقع الذي أشرتَ إليه: خطأ غير موافق للشرع إذا ما عرضتَه على الكتاب والسنَّة الصحيحة، وليس هو من فعل أهل القرون الثلاثة المفضلة.
وأن ما قرأتَه في جواب عن أحد الأسئلة من أنه ” لم يثبت في فضل ليلة النصف من شعبان خبر صحيح مرفوع يعمل بمثله حتى في الفضائل “: هو الصواب الذي لا ينبغي اعتقاد غيره والعمل به.
على أنه ينبغي التنبيه على أمر مهم، وهو أن فضل ليلة النصف من شعبان لا يعني جواز تخصيصها بعبادة، وليس بينهما تلازم، فمن صحح حديث فضل النصف من شعبان لا ينبغي أن يقول بجواز تخصيص ليلها بعبادة، ومن قال ذلك فقوله مرجوح.
فعلم أن من تعبد الله تعالى بعبادة خاصة في ليلة النصف من شعبان فإما أنه اغتر بما ورد فيها من فضل، وإما أنه عمل بما فيها من روايات وليس هو من أهل الصنعة ولم يتبين له وضعها ونكارتها.
رابعًا:
ما ورد فيها من عبادات وحكمه عند أهل العلم:
- صلاة الألفية.
قال أبو شامة: ” سميت بذلك لأنها يقرأ فيها ألف مرة سورة { قل هو الله أحد}؛ لأنها مائة ركعة، في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة، وبعدها سورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة “.
” الباعث على إنكار البدع والحوادث ” ( ص 50 ).
قال ابن الجوزي – بعد أن ساق حديثها بأسانيده -: ” هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل، وفيهم ضعفاء… والحديث محال قطعًا “. ” الموضوعات ” ( 2 / 127 – 130 ).
قال النووي – عن صلاة الرغائب في رجب، والألفية في النصف من شعبان -: “ وهاتان الصلاتان بدعتان، ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب ” قوت القلوب ” و ” إحياء علوم الدين “، ولا بالحديث المذكور فيهما؛ فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمها من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك “. ” المجموع ” ( 4 / 61 ).
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ” لم أدرك أحدًا من مشايخنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول، ولا يرى لها فضلًا على ما سواها من الليالي، والفقهاء لم يكونوا يصنعون ذلك.
” البدع والنهي عنها ” لابن وضاح ( ص 92 ).
وقال ابن رجب الحنبلي: ” وأنكر ذلك – أي: تخصيص ليلة النصف بعبادة – أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة. ” لطائف المعارف ” ( ص 263 ).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزًا: لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيصها بقيام من بين الليالي: دلَّ ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص.
ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها: نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحث الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه “، فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة، لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأمَّةَ إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله وأرضاهم، وقد عرفت آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة. ” حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان “.
- الصيام في نهار النصف من شعبان.
قال الشاطبي في بيان أوجه البدع: ” ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته “. ” الاعتصام ” ( 1 / 46 ).
وقال الشيخ ابن باز: ” إن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام: بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر “. ” حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان “.
وقال – رحمه الله -:
ليلة النصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح، كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة وضعيفة لا أصل لها، وهي ليلة ليس لها خصوصية لا قراءة ولا صلاة خاصة ولا جماعة، وما قاله بعض العلماء أن لها خصوصية: فهو قول ضعيف، فلا يجوز أن تُخصَّ بشيءٍ، هذا هو الصواب، وبالله التوفيق.
” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 511 ).
والله أعلم.


