هل يجوز تقصُّد المسجد البعيد من أجل حسن صوت إمامه؟
السؤال
في هذا الشهر الكريم طبعًا الإنسان يريد وجه الله والسمو بروحه إلى الخالق وحده، لهذا سؤالي: إني أصلي في مسجد كبير وبه شيخ صوته جميل جدًّا – ما شاء الله – وحولي في المنطقة مساجد كثيرة وقريبة مني، وهذا المسجد الكبير بعيد عني, فهل في هذا رياء؟ وهل هناك مشكلة للذهاب إلى ذلك المسجد بقصد الاستمتاع بالصلاة؟ فما رأي فضيلتكم في هذا العمل؟ أرجو الإفادة، وجزاكم الله خيرًا, مع العلم أنا أذهب إلى هذا المسجد بقصد التطويل في الصلاة والتمتع بها، فهل تعمد الذهاب إلى مسجد معين وشيخ معين مكروه؟.
الجواب
الحمد لله
اختلف أهل العلم – رحمهم الله – في هذه المسألة، فمنعها بعضهم، واستدلوا بحديث ونظر، أما الحديث فهو ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره “.
وأما النظر فهو قولهم: إن هذا يؤدي إلى إيحاش صدر إمام المسجد الذي يليه، وقد يؤدي إلى هجر المسجد.
وممن نصر هذا القول ابن القيم – رحمه الله -، إذ قال – في بيان الأدلة على منع فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان جائزا في نفسه -:
الوجه الرابع والخمسون: أن الشارع نهى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه إلى غيره كما رواه بقية عن المجاشع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره “.
وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام أما إن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يرمى ببدعة، أو يعلن بفجور فلا بأس بتخطيه إلى غيره. ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 148 ).
والصحيح من القولين هو القول الآخر، وهو جواز هذا الفعل لحديث ونظر.
أما الحديث فهو ما رواه أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم “.
رواه البخاري ( 623 ) ومسلم ( 662 ).
وأما النظر: فهو أن الله تعالى زكَّى المؤمنين الذين يخشعون في صلاتهم، ولا شك أن الصوت الحسن مما يعين على الخشوع فيها, فكان طلب المسجد الذي فيه حسن الصوت طلباً لأمرٍ مشروع مرغوب فيه.
وأما الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول فهو حديث ضعيف جدًّا، فبقية هو ابن الوليد، وهو مدلس، والمجاشع بن عمرو هذا قد قال فيه الإمام يحيى بن معين: ” قد رأيته، أحد الكاذبين ” ! كما في ” ميزان الاعتدال ” للذهبي ( 6 / 21 ).
وللحديث طرق أخرى فيها ضعفاء ومجاهيل، لا يمكن تحسين الحديث بها، وهو مخالف لما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى – وقد سبق -.
وهذه فتاوى أهل العلم في هذه المسألة:
- سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:
يوجد في مدينتنا قارئ جيد يخشع في صلاته ويأتي إليه الناس من مدن بعيدة كالرياض والمنطقة الشرقية والباحة وغيرها، فما الحكم في مجيء هؤلاء، وهل صحيح أنهم وقعوا في النهي الوارد في الحديث: ” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام؛ ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والمسجد الأقصى “؟ نرجو الإفادة والتوجيه، وجزاكم الله خيرًا.
فأجاب:
لا نعلم حرجًا في ذلك، بل ذلك داخل في الرحلة لطلب العلم، والتفقه في القرآن الكريم واستماعه من حسن الصوت به، وليس السفر لذلك من شد الرحال المنهي عنه. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 352 ).
- وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا –:
ما حكم تتبع المساجد طلبًا لحسن صوت الإمام لما ينتج عن ذلك من الخشوع وحضور القلب؟.
فأجاب:
الأظهر – والله أعلم – أنه لا حرج في ذلك إذا كان المقصود أن يستعين بذلك على الخشوع في صلاته، ويرتاح في صلاته ويطمئن قلبه، لأنه ما كل صوت يريح، فإذا كان قصده من الذهاب إلى صوت فلان أو فلان الرغبة في الخير وكمال الخشوع في صلاته فلا حرج في ذلك، بل قد يشكر على هذا ويؤجر على حسب نيته، والإنسان قد يخشع خلف إمام ولا يخشع خلف إمام بسبب الفرق بين القراءتين والصلاتين، فإذا كان قصد بذهابه إلى المسجد البعيد أن يستمع لقراءته لحسن صوته وليستفيد من ذلك وليخشع في صلاته لا لمجرد الهوى والتجول بل لقصد الفائدة والعلم وقصد الخشوع في الصلاة، فلا حرج في ذلك, وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ” أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشىً “، فإذا كان قصده أيضًا زيادة الخطوات فهذا أيضًا مقصد صالح.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 328 ، 329 ) .
- وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
بعض الناس في رمضان ينتقلون من مسجد إلى آخر بحثًا عن إمام حسن الصوت، مدعين أنه ينشطهم، فما حكم عملهم هذا؟.
فأجاب:
لا بأس بذلك، ولا يلزمهم الصلاة في المسجد القريب منهم، فإن الأئمة يتفاوتون في حفظ القرآن وتجويده وحسن الصوت والترنم والتغني بالقرآن والخشوع في الصلاة والطمأنينة فيها، ولا شك أن القارئ المتفوق في هذه الأوصاف تخشع لصوته القلوب، ويحصل لها رقة وحضور قلب وتأمل وتدبر وتعقل للصلاة وللقراءة أكثر من غيره، وذلك مما يعظم به الأجر، ويتفاوت به العمل؛ فلا جرم أن رأينا بعض الأئمة تمتلئ المساجد عندهم في التراويح ولو كانوا يطيلون أو يزيدون في عدد الركعات، محبة لهم وحرصًا على زيادة الأجر في الخطوات والمسير نحوهم، ولما يتجدد في القلب من قوة التأثر للصلاة وللقرآن، وذلك كله مطلوب من العبد، فإذا لم يجد من الإمام القريب ما يشجعه على الخشوع والإنصات والإقبال على الصلاة جاز له الذهاب إلى غيره، ولو صلى كل ليلة مع واحد للتجربة والحرص على الفائدة المطلوبة من هذه الصلوات.
والله أعلم.


