أخطاء عقدية في تفسير المودودي المسمى ” تفهيم القرآن “
السؤال
السؤال:
ما هو رأيكم في كتاب ” تفهيم القرآن ” للمودودي؟ هل تجوز قراءة هذا الكتاب؟ وهل هناك أخطاء جسيمة في الكتاب يجب على المرء أن يكون مدركًا لها؟.
الجواب
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
تفسير المودودي المسمى ” تفهيم القرآن ” يقع في ستة مجلدات ضخمة، تشمل أكثر 4200 صفحة بالقطع الكبير، وهو تفسير للقرآن كله، قضى المؤلف في تأليفه ثلاثين عامًا وبضعة أشهر، بدأ في عام 1361 هـ، وانتهى منه عام 1392 هـ.
وسمَّاه ” تفهيم القرآن ” لأجل أن يبين للقارئ كيف يفهم القرآن.
والكتاب باللغة الأوردية، وليس مترجمًا بالعربية، ولذلك لم نستطع النظر فيه حتى يتسنى لنا معرفة ما عليه من ملاحظات، ثم وقفنا على رسالة ” ماجستير ” من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعنوان ” تفسير تفهيم القرآن ومنهج المودودي فيه ” للطالب ” محمد مطيع الإسلام بن علي أحمد “، عام ( 1416 هـ )، وكل ما سننقله في هذا الجواب – من كلام المودودي، والتعليق عليه – فهو منها – باختصار وتهذيب – فقد كفانا المؤنة، جزاه الله خيرًا، ولن ننقل منها إلا ما يتعلق بمجمل الأخطاء في جانب العقيدة، مع التنبيه على أن الرسالة لم تطبع بعدُ.
ثانيًا:
الألوهية:
رأي المودودي رحمه الله في كلمة ” إله ” حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38:
ما أراد فرعون بهذا الكلام أنه خالق السموات والأرض, أو أنه هو المعبود وحده لا معبود سواه … لأن في دينهم كانت تُعبد آلهة كثيرة، وأكبر دليل على ذلك: قوله تعالى: ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ ) الأعراف/ 127، فلا يمكن يستعمل فرعون كلمة ” إله ” هنا الخالق أو المعبود, بل إنه استعملها بمعنى المطاع، والحاكم، أي: أنه هو مالك مصر، وينفذ فيها حكمه، ولا ينفذ حكم غيره … وبناءً على ذلك قال مخاطبًا قومه: ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) الزخرف/ 51، وقال لموسى: ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ) يونس/ 78، وقال أيضًا: ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) غافر/ 26. ” تفهيم القرآن ” ( 3 / 636 ، 637 ).
وقال كذلك:
إن الحاكمية مساوية للألوهية, بل إن أصل الألوهية وجوهرها هو: السلطة.
” المصطلحات الأربعة في القرآن ” ( 23 ).
التعليق:
إننا لا نوافق رأي الأستاذ المودودي هذا، فهو رحمه الله تفرد بهذه النظرية، وبهذا المفهوم للألوهية الحاكمية.
ولاشك أن من لا يؤمن بحاكمية الله عز وجل يخرج من حظيرة الإسلام, ولكن الحاكمية هي من خصائص الألوهية، وليست أصلها وجوهرها.
وملخص كلام المودودي: أن كلمة ” إله ” في هذه الآية وردت بمعنى الحاكم، لا بمعنى المعبود!.
إن كلام المؤلف هذا فيه نظر ولا نوافق عليه, فإن فرعون استعبد قومه مستكبرًا، وأنه جحد الخالق مع علمه بوجوده.
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله –:
يخبر الله تعالى عن كفر فرعون، وطغيانه، وافترائه، في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة – لعنه الله – كما قال تعالى: ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ) الزخرف/ 54، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم، وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ( يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38، وقال تعالى إخبارًا عنه: ( فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) النازعات/ 23 – 26، يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحًا لهم بذلك فأجابوه سامعين مطيعين … . ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 376 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:
لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى … واستخف قومه فأطاعوه, وهو الذي قال لهم – دون الفراعنة المتقدمين – ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38، ثم قال لهم بعد ذلك: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات/ 24، وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس، وأنكر وجوده، ولهذا قال له موسى: ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ) الإسراء/ 102، فلما أنكر الصانع: كانت له آلهة يعبدها، بقي على عبادتها، ولم يصفه بالشرك, وإنما وصفه بجحود الصانع، وعبادة آلهة أخرى, والمنكر للصانع منهم مستكبر، كثيرًا ما يعبد آلهة، ولا يعبد الله قط. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 630 ، 631 ).
ثالثًا:
الأسماء والصفات:
- قال المودودي – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) الحاقة/ 17 -:
وهذه الآية يشكل علينا تعيين معناها, ولا ندري ما العرش, وكيف يحمله الملائكة يوم القيامة؟ وعلى أية حال لا يصح لنا أن نتصور بأن الله جالس على عرشه ويحمله ملائكة الثمان, ولم يبين لنا القرآن الكريم ذلك، فهو سبحانه وتعالى منزه عن اتصاف الجسم, كما أنه لا يتقيد بالمكان, فلا نقول: إن الملائكة تحمله، ولا يجوز البحث عن الكيف, ومن يتبع ذلك يقع في الضلال … . ” تفهيم القرآن ” ( 6 / 75 ).
التعليق:
كلامه فيه نظر؛ فإن ظاهر القرآن يدل على أن الملائكة يحملون عرش ربنا, فكيف يتأتى لنا إنكار ذلك؟!.
- قال – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) الأعراف/ 54 -:
ويشكل علينا أن نفهم بالتفصيل كيفية استوائه تعالى على العرش, أو على سرير سلطنته, ومن الممكن أنه سبحانه وتعالى بعد أن خلق هذا الكون عيَّن في مقام ما مركز سلطنته التي لا تتقيد بالحدود، ثم تجلى فيه … ولعل العرش ذلك المكان الذي يدبر منه سبحانه وتعالى جميع الأمور, ويمكن أن يراد به سلطته, ويراد بالاستواء أنه تعالى بعد أن خلق الكون أخذ بيده زمام السلطة، وهذا يدل على أنه تعالى ليس خالق هذا الكون فحسب, بل هو مدبره … ويحكم فيها ما يشاء. ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 36 ).
وفسَّر قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) يونس/ 3، فقال:
وبعد أن خلق الله السموات والأرض لم يكن متوقفًا عن تدبير الأمور فيهما, بل استوى على عرش سلطنته, وأخذ بيده نظام جميع الكائنات … ويَفهم بعض الجهال أنه تعالى بعد أن خلق الكون تفرغ منه ثم للإنسان، يتصرف في أمره كما يشاء. ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 262 ).
التعليق:
ويستنبط من كلامه أنه أراد بعرش الرحمن: سلطته سبحانه, وفسَّر الاستواء بأنه تعالى أخذ بيده زمام السلطة، وهذا يدل على أن المؤلف تأثر في هذا الجانب بالمدرسة الكلامية, بل يشبه كلامه في تفسير صفة استواء الرحمن على العرش كلام المعتزلة، ومن نحا نحوهم.
ويحسن بنا أن نذكر هنا بعض كلام السلف في تفسير صفة الاستواء.
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله –:
فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضوع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح … وهو إمرارها كما جاءت، من غير تكييف، ولا تشبيه. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 220 ).
قال الإمام البغوي – رحمه الله –:
قال الكلبي ومقاتل: استقر … وأوَّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنَّة فيقولون: الاستواء على العرش صفةٌ لله تعالى، بلا كيف, يجب على الرجل الإيمان به … . ” تفسير البغوي ” ( 2 / 165 ).
وخلاصة القول: أن السلف أثبتوا لله تعالى صفة الاستواء على العرش، دون تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل, أمَّا المعتزلة ومن نحا نحوهم: فأوَّلوا الاستواء بالاستيلاء, والمؤلف فسَّر العرش بمركز سلطته جلَّ جلاله، وأوَّل الاستواء بأخذ زمام السلطة بيده تعالى, ونحن ندين الله بما قاله السلف.
- وفسَّر قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ) يس/ 71، فقال:
واستعمل هنا لفظ ” أيدي ” استعارة, وليس المعنى أن ذاته سبحانه وتعالى مجسَّمة, ويعمل بيده كالإنسان, بل المقصود أن يبيِّن لنا أنه سبحانه وتعالى بنفسه خلق هذه الأشياء, ولم يشاركه أحد في خلقه … .
” تفهيم القرآن ” ( 4 / 270 ، 271 ).
- وقال في تفسير قوله تعالى: ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) الفجر/ 22:
ومعنى الآية: إن ربك يأتي, ولكن الظاهر أنه سبحانه وتعالى لا ينتقل من مكان إلى مكان, فبالضرورة نقول: إن هذا بيان تمثيلي، ويقصد بذلك إعطاء تصور شامل عن الله جل جلاله، حيث إنه سبحانه وتعالى يظهر أمام الناس يوم القيامة بحاكميته، وسلطانه، وقوته، وهذا يثير الرعب، كما يثير الرعب في الإنسان إذا حضر الملائكة، أو السلطان بنفسه في المجلس … . ” تفهيم القرآن ” ( 6 / 333 ).
وكلامه هذا ينتقد من ناحيتين:
الأولى: أنه لم يُثبت لله تعالى صفة المجيئ كما وردت في القرآن, بل أولها تأويلًا لا يحتمله اللفظ.
الثانية: أنه شبَّه صفة الخالق بصفة المخلوق، وهذا لا يصح أيضًا؛ لأن الله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 165 ).
رابعًا: النبوات:
- قال رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) هود/ 46 -:
لا يصح لأحدٍ بعد لفت النظر إلى هذه الآية أن يظن بأن نوحًا عليه السلام كان فيه نقص من الروح الإيماني, أو كانت في إيمانه شائبة من الجهالة, والحقيقة أن الأنبياء هم بشر, والإنسان أحيانًا لا يقدر أن يستقيم على مستوى الكمال العالي السامي, حتى النبي قد يغلب في بعض الحالات النفسية الحرجة بسبب الضعف البشري وهو أشرف الناس وأعلاهم, ولكن لما يحس بذلك أو يذكره ربه بأن قدمه تنزل من المستوى العالي والمعيار المطلوب إلى الأسفل: يتوب إلى الله مباشرةً، ولا يتأخر لحظة عن إصلاح خطئه، وهنا لما رأى نوح عليه السلام ابنه يغرق أمام عينه: شعر في قلبه بكمد, فلما نبهه سبحانه وتعالى على أن ابنك مادام ترك الحق ولجأ إلى الباطل فبمجرد ولادته من صلبك لا يصلح لك أن تظنه من أهلك وأن تحزن عليه بسبب عاطفة جاهلة, وبعد ذلك رجع نوح عليه السلام من أن يحزن على ابنه مباشرةً إلى أن يفكر حسب ما يقتضيه الإسلام, وهذا أكبر دليل على خلقه العظيم … . ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 343 ، 344 ).
التعليق:
وهنا لا بدَّ أن نقف على كلام المؤلف هذا وقفة متأنية, فإننا وإن لم نجد في كلامه ما ينافي عصمة نوح عليه السلام إلا أن وصفه عاطفة النبي الجليل بجهالة: نرى فيه شيئًا من التناقص مع كلامه الأول، فليس من المناسب له أن يقول ذلك في شأن النبي, بل يستحسن له أن يقول: بأن نوحًا عليه السلام حملته شفقة، وغلبت عليه رحمة وحنان، وأنه لم يعلم أن ابنه ليس من أهله بسبب كفره.
قال ابن حزم – رحمه الله –:
إن نوحًا عليه السلام تأول وعد الله تعالى أن يخلصه وأهله، فظنَّ أن ابنه من أهله، على ظاهر القرابة، وهذا لو فعله أحد لكان مأجورًا, ولم يسأل نوح عليه السلام تخليص من أيقن أنه ليس من أهله، فتفرغ على ذلك, ونهي عن أن يكون من الجاهلين, فتندم عليه السلام على ذلك، ونزع، وليس هاهنا عمد للمعصية البتة.
” الفصل في الملل والأهواء والنحل ” ( 4 / 13 ).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:
أي: هذا الدعاء الذي دعوت به لنجاة كافر لا يؤمن بالله ولا برسوله، ( فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي: ما لم تعلم عاقبته … ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) أي: إني أعظك وعظًا, تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين, فحينئذ ندم نوح عليه السلام ندامة شديدة على ما صدر منه … ودلَّ هذا على أن نوحًا عليه السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرم.
” تيسير الكريم الرحمن في تفسير الكريم المنان ” ( 2 / 369 ).
- قال المودودي – في تفسير قوله تعالى: ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ….. فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) الأنعام/76 – 79 -:
وقد اشتهر أن ” نيوتن ” رأى في يوم من الأيام تفاحة تسقط من الشجرة, فورد في ذهنه سؤال، لماذا تنزل الأشياء إلى الأرض؟ ومن ذلك وصل إلى استنباط مسألة القوة الجاذبة, ألم يشاهد ” نيوتن ” قبل هذا سقوط الأشياء إلى الأرض؟ لا شك أنه شاهد ذلك مرارًا وتكرارًا … فالإنسان قد يتأثر بمشاهدة شيء لم يكن متأثرًا من رؤيته قبل … وهكذا كانت قصة إبراهيم عليه السلام. ” تفهيم القرآن ” ( 1 / 557 – 559 ).
وقال أيضًا:
وذكر هنا كيفية تفكر إبراهيم عليه السلام في بداية الأمر، وقد سبب له ذلك الوصول للحقيقة قبل تشرفه بمنصب النبوة, وكيف فاز من كان سليم الفطرة، وفتح عينيه في بيئة وثنية ولم يحصل له تلقي التوحيد من أي جهة، فبدأ يفكر في هذه الكائنات وآثارها، ثم استدل بها استدلالًا صحيحًا حتى وصل إلى الحق, وقد جاء من قبل بيان أحوال قوم إبراهيم، فبالنظر إلى أحوالهم يتضح لنا أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ رشده وجدَ قومه يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فكان من الطبيعي أن يبدأ إبراهيم عليه السلام تحقيقه وبحثه عن الحقيقة بهذا السؤال، هل يمكن أن يكون شيء من الأشياء إلهاً في الواقع؟ ففكر في ذلك، ووصل إلى نتيجة أن الآلهة التي يدَّعي قومي بألوهيتها: ليس فيها شائبة من الربوبية …. وحقيقة الإله هو الواحد الأحد، الذي خلقهم، وأمرهم بطاعته، والخضوع له, وهنا يرد سؤال آخر: أن إبراهيم عليه السلام لمَّا قال ( هَذَا رَبِّي ) بعد رؤية الكوكب أمَا ابتلي عليه السلام بالشرك ولو كان مؤقتًا؟ والجواب: أن العبرة ليست بالمنازل التي ينزلها طالب الحق أثناء سفره لتحقيق الحق, بل العبرة بالجهة التي توجه إليها، وبالمقام الأخير الذي سيقيم فيه بعد الوصول, أما المنازل التي توجد في طريق السفر: فلا بدَّ من المرور بها لكل طالب الحق، والوقوف فيها للتحقق، والطلب، لا للقضاء، والحكم ….
فالطالب إذا قال في منزل من تلك المنازل: إنه كذا فذلك: ليس برأيه الحاسم، بل يريد بذلك استفهامًا مفاده هل ذلك كذا؟ وبعد التحقيق إذا وجد الجواب بالنفي يتقدم، ومن أجل ذلك لا يصح لأحد أن يقول: إنه حيثما سار في الطريق ابتلي بالشرك، والكفر، ولو مؤقتًا, وهذه فكرة خاطئة. ” تفهيم القرآن ” ( 1 / 557 – 559 ).
التعليق:
ويستنبط من كلامه:
توهم بداية كلامه أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك في مقام النظر والاستدلال حيث إنه قال: ” وذكر هنا كيفية تفكر إبراهيم عليه السلام في بداية الأمر وقد سبب له ذلك الوصول للحقيقة قبل تشرفه بمنصب النبوة “.
وقد اختلفت آراء العلماء في هذه المسألة, هل إبراهيم عليه السلام قال ذلك في مقام النظر أو المناظرة؟
قال العلامة محمد رشيد رضا – رحمه الله –:
قيل: إنه قال ذلك في مقام النظر والاستدلال لنفسه, وقيل: في مقام المناظرة، والحجاج لقومه، واعتمد من قال بالأول على ما روي في التفسير المأثور من عبادته عليه السلام لهذه الكواكب في صغره اتباعًا لقومه حتى أراه الله تعالى بعد كمال التميز حجته على بطلان عبادته والاستدلال بأفولها، وتعددها، وغير ذلك من صفاتها على توحيد خالقها، وأن ذلك كله قبل النبوة ودعوتها … ومنه قصة طويلة فيها أن إبراهيم عليه السلام ولدته أمه في مغارة … ( ثم أورد – رحمه الله – القصة بكاملها وبيَّن بطلانها ) ثم قال: ومن العجب أن ابن جرير الطبري اختار هذا القول مع تقريره القول المقابل له على أحسن وجه، وهو الذي جزم به الجمهور، مِن أنه كان مناظرًا لقومه فقال ما قال تمهيدًا للإنكار عليهم. ” تفسير المنار ” ( 7 / 557 ، 558 ).
- وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) يوسف/ 55 -:
ويتضح لنا من الآية، ومن التوضيحات السابقة أن يوسف عليه السلام لم يطلب من الملِك وظيفة … والحقيقة: أن هذا طرق نهائي لفتح باب تلك الثورة التي أعدها نفسه من أجلها بالطاقات الخلقية في السنوات المنصرمة … وكان يعرف كلٌّ مِن العامة والخاصة بأن يوسف عليه السلام لم يكن له مثيل في عصره في الأمانة، والصداقة، والحلم، وضبط النفس، والظرافة، والفراسة, وكان يعرف بأنه حفيظ عليم، ولم يكن ذلك مجرد دعوة, بل هذه هي الحقيقة … وقد يرد سؤال مفاده ما المنصب الذي طلبه يوسف عليه السلام من الملِك؟ يقول بعض الناس لعدم معرفتهم نظرًا إلى لفظ ( خَزَائِنِ الْأَرْضِ ) وما ورد بعد ذلك من تقسيم الحبوب وكيْلها: لعلَّ يوسف عليه السلام طلب من الملك ولاية خزائن مصر، أو الرئاسة للشؤون المالية، أو الوزارة المالية … ولكن القرآن، والإنجيل، والتلمود، كلٌّ من هذه الكتب يَشهد أن يوسف عليه السلام عُيِّن الحاكم المطلق، الذي يقال في اصطلاح الروم ” الدكتاتور ” لسلطنة مصر. ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 411 ).
إن كلام المؤلف هذا فيه نظر من وجوه:
الوجه الأول: قوله ” يدل على أن بعض العلماء لعدم معرفتهم قالوا: إن يوسف عليه السلام طلب من الملك الرئاسة للشؤون المالية … والحقيقة أنه طلب سلطنته المطلقة “.
والصحيح: ما قاله المفسرون أنه طلب من الملك أن يوليه أمر خزائن الأرض, بل أكثر علماء السلف قالوا بذلك.
قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:
وهذا من يوسف عليه السلام مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده, وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به. ” تفسير الطبري ” ( 13 / 4 ).
قال الإمام البغوي – رحمه الله –:
والخزائن: جمع خزانة, وأراد: خزائن الطعام، والمال … وقال الكلبي: ( حفيظ ) بتقديره في السنين المجدبة، ( عليم ) بوقت الجوع حين يقع, فقال الملك له: ومن أحق به منك؟ فولاه ذلك. ” تفسير البغوي ” ( 2 / 432 ).
وإننا لا ننكر قول المودودي فله احتمال كما حكاه الإمام البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
الوجه الثاني: أنه جعل الإنجيل والتلمود كمرجع أساسي لتفسير القرآن, وهذا غير صحيح؛ لأن هذه الكتب ما بقيت على حالها، بل هي أصبحت محرفة مكذوبة.
الوجه الثالث: أنه قال: ” القرآن يدل على ذلك “، ولكن ظاهر القرآن يدل على خلاف ذلك، والأصل في الكلام: الظاهر، فلا وجه لصرفه عنه إلى المجاز من غير ضرورة.
الوجه الرابع: وصفه النبي الجليل بدكتاتور حيث قال: ” كل من هذه الكتب يشهد أن يوسف عليه السلام عُيِّن الحاكم المطلق الذي يقال في اصطلاح الروم ” الدكتاتور ” لسلطنة مصر “. ولا يرضى أحد بهذا الزمان أن يصفه الناس بكلمة الدكتاتور فكيف يمكن أن نصف النبي الجليل بذلك؟!.
نعم إن كلمة دكتاتور ” DICTATOR ” تحتمل معنى الحاكم المطلق، والمؤلف هنا ( إن ) أراد هذا المعنى، فلا غبار عليه, ولكنها تحتمل معنى آخر وهو ” الطاغية “، ومن حيث الشيوع والانتشار هذا المعنى الذي يعرفه الناس, فليس من المناسب أن نفسر القرآن بهذه المصطلحات الحديثة حتى نوقع القارئ في الشك والريبة.
والحقيقة أن هذا كان من زلة قلم المؤلف وهفوته، نسأل الله أن يغفر لنا وله، ثم يتغمده برحمته.
- وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ……. وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ . فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ . يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ص/ 24 – 26 -:
أما قوله تعالى: ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) فيفهم من سياق الكلام أن داود عليه السلام صدر منه بعض الزلات … ولكن هذه الزلات لم تكن شديدة … .
وأما قوله: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) فهذا تنبيه من الله عز وجل … والظاهر أن ما صدر من داود عليه السلام كان فيه دخل لاتباع الهوى، وقد يكون ذلك الفعل متعلقًا بحكمه فيما لا يكون مناسبًا له، ولا يحسن ذلك بكل من يحكم بالحق … وبعد تفكر وتدبر يمكننا أن نقول: إن داود عليه السلام لمَّا عرف حسن هذه المرأة وجمالها بأي وسيلة كانت: خطر بباله أن يطلب من زوجها أن ينزل له عنها, وأن يطلقها, وهذا كان مستساغًا عند بني إسرائيل ولم يكن معيبًا, ومن أجل ذلك أنه عليه السلام لم ير فيه غضاضة, بل كان في شريعتهم أنه إذا أحب أحد امرأة غيره: يطلب منه بلا تكلف أن ينزل له عنها, ولكن داود عليه السلام لم يحس بأن صدور هذا التمني من عامة الناس قد يكون خاليًا من عنصر الإكراه … ولما نبهه سبحانه تعالى على ذلك عن طريق قصة الخصمين: رجع عليه السلام عن أمنيته … . ” تفهيم القرآن ” ( 4 / 326 – 329 ).
وقال في موضع آخر:
ويفهم من سياق القصة أن سيدنا داود عليه السلام تمنى من ” أوريا ” – أو مهما يكون اسمه – أن ينزل له عن زوجته …. وبعض أصحاب العقول المريضة والنفوس الخبيثة من عاداتهم أنهم إذا وصل إلى مسامعهم خبر بأن فلانًا صدر منه كذا وكذ، خاصة إذا كان ذا مكانة عالية: فهم يجعلون الحبَّة قبَّة “.
وبعد ذلك ذكر رحمه الله ما قيل في قصة داود عليه السلام غثها وسمينها ثم قال:
إن جميع هذه الاحتمالات لا تقوم عليها الحجة, بل هناك تأويل آخر قاله بعض المفسرين: بأن داود عليه السلام طلب من ” أوريا ” أن ينزل له عن زوجته, وقال عليه السلام ذلك متأثرًا بثقافة بني إسرائيل المروجة، وقد لا يقبل بعض الناس هذا التأويل بناء على أن نسبة هذه الزلة إلى النبي تنافي العصمة, ولكنهم لم يدركوا أمر العصمة، فإنها ليست من لوازم الأنبياء الذاتية, بل إن الله تعالى يعصمهم من الأخطاء والزلات ليؤدوا وظيفة النبوة والرسالة, وأن محافظة الله لو رفعت عنهم ولو لمدة يسيرة: لوقعوا في الخطأ، كما يقع عامة الناس … وهناك نكتة لطيفة أخرى وهي: أن الله تعالى قد يرفع عن الأنبياء محافظته، ويصدر عنهم زلة، أو زلتان كي لا يقع الناس في تأليههم. ” التفهيمات ” ( 2 / 39 – 50 ).
التعليق:
ويرد عليه بعدة نقاط:
أولًا: يقول الشيخ القاضي مظهر حسين ناقدًا كلام المودودي: ” يوجد فيه تنقيص لشأن داود عليه السلام، والنبي لا يتأثر بمجتمع، بل يبعث الأنبياء لإصلاح المجتمع، فهم يؤثرون على المجتمع “.
” الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره ” ( 24 ).
ثانيًا: قال المودودي رحمه الله: ” إن داود عليه السلام لما عرف حسن هذه المرأة وجمالها بأي وسيلة كانت خطر بباله أن يطلب من زوجها أن ينزل له عنها, وأن يطلقها … “.
وقوله هذا فيه نظر، ولا بدَّ من التحفظ عليه؛ لأنه لم يُقِم عليه دليلًا صحيحًا، والأولى أن ننزه نبي الله داود عليه السلام عن مثل هذا التأويل؛ لأنه نبي مرسل، وقد عصمه الله من مثل هذا الأمر.
ثالثًا: في نظر المودودي رحمه الله أن داود عليه السلام كان فيه شيء من اتباع الهوى.
حيث قال: ” والظاهر أن ما صدر من داود عليه السلام كان فيه دخل لاتباع الهوى … “.
فلو أراد رحمه الله بذلك طلب داود عليه السلام من ” أوريا ” أن ينزل له عن زوجته: فنقول: إن هذا الكلام بنفسه يعارض المؤلف, فإنه قال قبل ذلك: إن هذا كان مروجًا في شريعتهم, فما دام هذا مروجًا عند بني إسرائيل فلماذا نقول: إنه طلب ذلك اتباعًا لهواه؟!.
ثم إن قوله تعالى: ( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) لا يدل على أن داود عليه السلام اتبع هواه, بل هذا نصيحة من الله تعالى, لأنه جل جلاله سلم إلى داود عليه السلام مسؤولية الخلافة، فناصحه ألا يتبع هواه في الحكم فيمن يتحاكمون إليه، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:
وهذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله … . ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 32 ).
وسياق الآية بنفسه يدل على عدم صحة كلام المودودي؛ فإنه تعالى لمَّا قال: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) أتبع ذلك قوله: ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص/ 26، فكلامه سبحانه وتعالى يدل على أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله, والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب، وقد عصم الله النبي عن ذلك. انظر تفسير القرآن الكريم المسمى بـ ” السراج المنير ” للخطيب الشربيني ( 3 / 410 ).
إضافة إلى ذلك: أنه ورد في القرآن الكريم مثل هذا الأسلوب في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) الأحزاب/ 1، وقوله تعالى: ( لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ) الإسراء/ 22، وقوله تعالى: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) الإسراء/ 36.
فهل تدل هذه الآيات على وقوع المخالفة – والعياذ بالله – من المعصوم عليه السلام؟.
فقول المودودي لا يخلو عن القدح في شأن النبي عليه السلام, ولا يصح لنا أن نقع في خوض في مثل هذا المقام, بل نفوض الأمر إلى الله تعالى، كما قال الإمام ابن كثير – رحمه الله –:
وقد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذة من الإسرائيليات, ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب إتباعه … فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله تعالى, فإن القرآن حق، وما تضمنه فهو حق أيضًا …. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 32 ).
رابعًا: قول المودودي رحمه الله: ” وهناك نكتة لطيفة أخرى: وهي أن الله تعالى قد يرفع عن الأنبياء محافظته، ويصدر عنه زلة، أو زلتان كي لا يقع الناس في تأليههم “.
قال الأستاذ الشيخ محمد يوسف البنوري – منتقداً قول المودودي -:
” عصمة الأنبياء في أمور النبوة كلمة حق اتفاق بين الأمة, ورفع العصمة عنهم في بعض الأحيان في غاية الخطر … ثم إن ما يقوله – أي: المودودي – لإظهار أنهم بشر وليسوا بآلهة: أليس يكفي أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق؟ أليس يأتي عليهم الفناء والموت, وأن الله حي لا يموت … وما إلى ذلك من صفات البشرية، أليس يدل على أنهم بشر وليسوا بآلهة؟ “.
” الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره ” ( 26، 27 ).
خامسًا:
الصحابة:
- وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ …. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 130 – 134 -:
كان السبب الأكبر وراء هزيمة المسلمين في غزوة أحد: غلبة حرص المال عليهم وقت الظفر والفوز, فإنهم قبل إتمام مهمتهم: تركوا المعركة، واتجهوا إلى كسب الغنائم, ومن أجل إصلاح هذه الحالة: رأى الحكيم المطلق أن يسد عوامل الحرص على الدنانير والدراهم، فأمرهم بالرجوع عن أكل الربا … إن كل بيئة وجد فيها الربا: تحدث فيها أدواء خُلقية من الحرص، والطمع، والبخل، وإيثار النفس، والبغض، والحسد، والتنافر، والغضب، فالذين يعطون أموالهم بالربا يحدث فيهم الحرص، والطمع، والبخل، والذين يأخذون الأموال بالربا: يورث فيهم الحسد، والبغضاء، والتشاحن، فهم صنفان, فكان من جملة الأسباب المؤثرة في هزيمة المسلمين وجود هذه الأدواء فيهم. ” تفهيم القرآن ” ( 1 / 287 ، 288 ).
التعليق:
إن المودودي رحمه الله لم يحسن التعبير في شأن الصحابة رضي الله عنهم الذين ضحوا بأنفسهم لنصرة الحق، وصرفوا أموالهم، وبذلوا جهودهم، وتركوا حطام الدنيا الفانية، راجين الآخرة الباقية, وهم الذين قال الله تعالى فهيم: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) المائدة/ 119.
فلاشك أن مثل هذا الكلام يقلل من شأنهم، ويخل بمنزلتهم، ويخدش مكانتهم.
فلو أنه قال: إن هذه الآية نزلت في أثناء ” غزوة أحد “: فقد يسلم ذلك.
سادسًا:
والكتاب – كما رأيت – لم يخل من أخطاء، وخاصة في جانب العقيدة، وهو ليس متوفرًا أصلًا باللغة العربية، فإن ترجم إليها فلا مانع من قراءته لمن علم الأخطاء التي فيه، ونوصي من يترجمه أن يتقي الله تعالى، وأن يضع الملاحظات والتنبيهات في الكتاب نفسه، حتى تبرأ ذمته.
والله الموفق.


