ماذا يصنع من ورث من أبيه مالًا محرَّمًا لعينه؟
السؤال
السؤال:
اعتاد والدي رحمه الله أن يأخذ الرشوة، وأريد الآن أن أتصدق ببعض المال؛ حتى يكفّر الله عنه خطاياه، وكتسديد للأموال التي أخذها بغير حقها، فهل يجوز أن أوزع مبلغًا من المال على الفقراء؟ لأنني بالطبع لا أعلم من هم الأشخاص الذين أخذ منهم الأموال فأردها إليهم، ولا أعلم كم مقدارها كذلك.
الجواب
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
الأصل في حقوق العباد أنها مبنية على المشاحة, وإن تاب مَن تعدى على أموال الناس بالباطل: لم تكن توبته مجزئة عن حقوق العباد، بل لا بدَّ من أدائها لأصحابها، أو استحلالهم منها، فإن لم يعلم مكانهم: تصدق بها عنهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ). رواه البخاري ( 2449 ).
قال النووي – رحمه الله -:
قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام، وأراد التوبة، والبراءة منه: فإن كان له مالك معين: وجب صرفه إليه، أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا: وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته: فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر، والربط، والمساجد، ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به علي فقير، أو فقراء. ” المجموع شرح المهذب ” ( 9 / 351 ).
وفي ” درر الحكام شرح مجلة الأحكام ” ( 4 / 538 ):
إذا توفي المرتشي: فلا يملك وارثه الرِّشوة، ويلزمه إعادتها إلى الراشي، حتى أنه إذا توفي الرجل الذي كسْبه حرام: فيجب على ورثته أن يتحروا أصحاب ذلك المال الحرام، فيردوه إليهم، وإذا لم يجدوهم: أن يتصدقوا بذلك المال. انتهى.
إلا أن يتوب توبة صادقة ولا يجد ما يؤديه لهم: فيقبل الله توبته ويرضيهم ربهم يوم القيامة.
قال علماء اللجنة الدائمة:
الأصل في حقوق العباد فيما بينهم: أنها مبنية على المشاحة، فلا تسقط بمجرد التوبة منها فقط، وإنما بردها إلى أصحابها، أو استحلالهم منها، وإذا تاب العبد لله سبحانه توبة نصوحًا من حقوق المخلوقين، وعجز عن إيصالها إليهم؛ لفقره، أو جهله بهم: فإن الله سبحانه يتوب عليه، ويرضيهم عنه يوم القيامة بما يشاء سبحانه، ومتى استطاع في الدنيا إيصالها إليهم، أو استحلالهم منها: وجب عليه ذلك، ولا تتم توبته إلا بما ذكر؛ لقول الله عز وجل: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقوله عز وجل: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.
فتاوى اللجنة الدائمة ( 24 / 316 ، 317 ).
وينبَّه على أن الرِّشوة إن كانت متاعًا لم يبق عينه: فإنه يقدَّر بقيمته وقت أخذه، ويُرجع هذا المال لأصحابه، أو يُتصدق به عنهم، وكل هذا لا يعني أن ذمة الراشي قد برئت! لأنه لم يُحدث توبة في حياته.
ففي ” درر الحكام شرح مجلة الأحكام ” ( 4 / 538 ):
لا يملك المرتشي الرشوة، ولو قام المرتشي بالأمر الذي ندبه إليه الراشي تمامًا، فلذلك إذا كان مال الرشوة موجودًا: فيرد عينًا، وإذا كان مستهلكًا: فيُرد بدلًا، وإذا كان الراشي توفي: فيرد إلى ورثته بالحكم بالرد، على هذا الوجه؛ لتخليص المرتشي من حكم الضمان الدنيوي، أما الخلاص من الحكم الأخروي – وهو الأهم – واستحقاق النار: فلا يحصل إلا بالتوبة، والاستغفار. انتهى.
ومما لا شك فيه أن إعطاء أصحاب الأموال حقوقهم يهوِّن أمر والدكم في الآخرة؛ وذلك أنه لا يصبح لأولئك الأشخاص حقوق عنده، لكن يبقى فعله فيما بينه وبين ربِّه: لا يرتفع بما تفعلونه بإرجاع الحقوق إلى أهلها، ونسأل الله أن يتجاوز عنه بها، فما تنفعه لا يكفِّر عنه ذنبه، لكنه يستفيد منه.
ثانيًا:
وما سبق ذِكره هو في الحي الذي يأخذ ما ليس له بحق من الناس، كالفوائد الربوية، والرشاوى، والسرقات، فإذا مات قبل التوبة، وقبل إرجاع الحقوق لأصحابها فيترتب عليه:
- أنه يجب على ورثته إرجاع الحقوق من تركة مورثهم لأصحابها.
- أنه إن لم يعلموا أصحاب تلك الحقوق والأموال: أخرجوها من التركة، وتصدقوا بها عنهم، كما في التفصيل السابق ذِكره عن الغزالي رحمه الله.
- أنه لا يسلم الميت من الإثم بذلك الإرجاع للمال، ولا التصدق به؛ وإنما هو خطاب للورثة بما يجب عليهم فعله، وأما الميت قبل التوبة وقبل إرجاع الحقوق لأهلها: فلا ينفعه أداء ورثته عنه ذلك بعد وفاته، بل هم من ينتفع بعدم إدخال مال حرام في نصيبهم.
وهذه الأحكام إنما هي في المال المحرَّم لعينه، كالمال المغصوب، والمسروق، وما اكتسب بالرشوة.
وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 2 / 292 ):
وفي ” حاشية الحموي ” عن ” الذخيرة ” سئل الفقيه أبو جعفر – وهو الهندواني – عمن اكتسب ماله من أمراء السلطان، وجمَع المال من أخذ الغرامات المحرَّمات، وغير ذلك هل يحل لمن عرف ذلك أن يأكل من طعامه؟ قال: أحبُّ إليَّ أن لا يأكل منه، ويسعه حكمًا أن يأكله إن كان ذلك الطعام لم يكن في يد المُطعِم غصبًا، أو رشوة ا.هـ.
أي: إن لم يكن عين الغصب، أو الرشوة؛ لأنه لم يملكه، فهو نفس الحرام، فلا يحل له، ولا لغيره. انتهى.
ثالثًا:
وأما بخصوص مقدار ما تستخرجونه من مال والدكم إن جهلتم مقدار ما دخل في ماله من حرام لعينه – كالرشوة -: فيكون بالاجتهاد منكم لمعرفة المقدار، وإذا تردد المبلغ بين رقمين أو أكثر: فيُختار الرقم الأعلى، ويُستخرج من التركة.
قال النووي – رحمه الله -:
من ورث مالًا ولم يعلم من أين كسبه مورثه أمِن حلال، أم حرام، ولم تكن علامة: فهو حلال، بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حرامًا وشكَّ في قدْره: أخرج قدْر الحرام، بالاجتهاد. ” المجموع شرح المهذب ” ( 9 / 351 ).
فإن عجزوا عن الاجتهاد في معرفة المال الحرام الداخل في مال والدهم: قسموا المال نصفين، تخلصوا من نصفه بالصدقات عن أصحابه، وقسموا النصف الآخر بين الورثة، كلٌّ حسب نصيبه في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وإن اختلط الحلال بالحرام، وجهل قدْر كلٍّ منهما: جعل ذلك نصفين.
” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 307 ).
– ونسأل الله أن يكتب لك الأجر الموفور على برِّك بأبيك، وحسن قصدك في إنجائه من الإثم والعقاب، ونسأل الله أن يتجاوز عنه فيما فعل.
والله أعلم.


