هل يأثم السمسار إذا كانت المعاملة يتم فيها دفع رشوة؟
السؤال
أنا وسيط عقاري، وهناك ما يسمى بـ ” صكوك التطبيق والتعويض “، الطرف الأول: صاحب الصك، والطرف الثاني: صاحب الأرض، تكون الأرض بدون صك لمشكلة ما، ويكون هناك عقد بين الطرفين على أن يتحمل صاحب الأرض مسؤوليتها القانونية في حالة المساءلة، ويضمن صاحب الصك خلوه من الشوائب ونفوذه، ويتحمل صاحب الصك كامل التكاليف: ما بين البلدية، لاستخراج الكروكي، وما بين كتابة عدل.
وأنا كوسيط عقاري لا أتدخل في شيء، وإنما مجرد الربط بين الطرفين.
السؤال:
إذا كانت هناك رشوة تدفع من أحد الطرفين لإتمام الموضوع، سواء كان في البلدية، أو كتابة عدل، وهذا شيء متوقع، فهل عليَّ ذنب؟ وهل أنا طرف في الإثم؟.
الجواب
الحمد لله
الرشوة من كبائر الذنوب؛ لما رواه الترمذي ( 1337 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3580 ) , وابن ماجه ( 2313 ) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رضي الله عنهما – قَالَ: ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي “، والحديث صححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
والراشي: هو الذي يدفع المال ليتوصل به لأخذ ما ليس له به حق، أو ليوصل الضر والأذى لغيره ممن لا يستحقه، والمرتشي هو من يأخذ ذلك المال لفعل تلك الأعمال.
وفي بعض الأحيان لا يتوصل المسلم لأخذ حقه إلا بأن يبذل مالا لمن يجلب له ذلك الحق، أو لا يستطيع التخلص من الظلم إلا بأن يدفع مالًا لمن يخلصه منه، ففي هذين الحالين لا يكون من دفع مالا ” راشيًا “، ويكون الحرام على من سلبه ماله، وهو ” المرتشي “.
قال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين – رحمه الله -:
يجب أن تعلم أن الرشوة المحرَّمة هي التي يتوصل بها الإنسان إلى باطل، كأن يرشي القاضي – مثلا – ليحكم له بالباطل، أو يرشي الموظف ليسامحه على أمرٍ لا تسمح به الدولة، أو ما أشبه ذلك، هذا هو المحرَّم.
أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقِّه، كأن لا يمكنه الحصول على حقِّه إلا بشيءٍ من المال: فإنّ هذا حرام على الآخذ، وليس حرامًا على المُعطي؛ لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقِّه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 302 ).
ومن كان له أرض يملكها شرعًا، ولا يستطيع إثبات ذلك في الأوراق الرسمية إلا بأن يبذل مالا لكاتب عدل! أو موظف في دائرة الأراضي: فإن الإثم يكون على الآخذ لا على الباذل؛ لأن الباذل يريد تحصيل حقه، ودفع الظلم عن نفسه، وقد تعذر ذلك عليه إلا ببذل مالٍ لأولئك المرتشين، والذين يملكون دفع الظلم عنه، وتحصيل الحق له دون أخذ مال، لكن تأبى نفوسهم الدنيَّة إلا بسلب أصحاب الحقوق أموالهم، فعليهم إثم ذلك الأخذ، وهو سحت يأكلونه، وينبتون أجسادهم به، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ “. رواه الطبراني، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4519 ).
قال المناوي – بعد أن ذكر الحديث -:
هذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس بالباطل: من الكبائر.
” فيض القدير ” ( 5 / 23 ).
واعلم أنه يجوز للوسيط بين البائع والمشتري للأرض أن يستوفي مالا من الطرفين أو من أحدهما مقابل عمله في ” السمسرة “، وما يحدث من دفعٍ للمال للمرتشي لتحصيل الحق: لا دخل فيه للوسيط، فهو أخذ عمولة مقابل عملٍ يستحقه.
والحال التي لا يجوز له أن يستوفي مالًا هي:
أ. إن كانت الأرض ليست ملكاً لواضع يده عليها، والذي يريد تسجيلها باسمه، فقد يكون هذا الرجل مغتصباً للأرض من غيره، أو محتالاً فيها على صاحبها، فهنا لا يجوز للوسيط أن يساهم معه في بيعها، أو في تسجيلها باسمه.
ب. إن كان وسيطًا بين الباذل للمال لتحصيل حقه، وبين ذلك المرتشي الآخذ للمال، وما يأخذه الوسيط في هذه الحال: سحت، لا يحل له، وعليه أن يرجعه لصاحبه، وعمله هنا واجب عليه؛ ليدفع الظلم عن صاحب الحق، ولا يحل له استيفاء مال مقابل فعله لما أوجبه الله عليه من النصرة لأخيه لجلب حقه, أو دفع الظلم عنه.
والله أعلم.


