طلب أجرة السمسرة ثلث الربح من العقار دائمًا، فهل هذا من حقه؟
السؤال
- اتفقتُ مع صديق لي بأن يدلني على أي طريق استثماري حسب ما يتناسب مع وضعي المالي على أن يكون ثلث الأرباح له، كوني لا يوجد لدي أية خبرة في مجال الاستثمار في ذلك الوقت، وكان الاتفاق شفهيًّا في جلسة خاصة.
- بحث صديقي ووجد لي عقارًا يكون بالتقسيط الشهري لمدة ( 6 سنوات ) بمعدل (2500 ريال ) شهريًّا.
- طلبتْ مني قريبة لي أن أبحث لها عن عقار وأعطتني توكيلًا بذلك وحرية التصرف بالمبلغ المقدم لي فعرضتُ الأمر على صديقي ووجد لها عقارًا حسب المبلغ المتوفر عندها إلا أن هذا الصديق طلب مني أن يأخذ الفرق له شخصيًّا من المبلغ إذا تمكن من إقناع البائع بتخفيض المبلغ عن السيولة المقدمة لي من قريبتي، وبالفعل أقنع البائع بتخفيض أقل بحدود ( 13 ألف ريالًا )، أخذ هذا الصديق المبلغ كاملًا له حسب اتفاقنا إضافة للسعي.
ذكَّرني بالاتفاق بعد سنتين وأخبرته بأني أعترض عن الاتفاق للأسباب التالية:
أ. أني وافقت على أخذه للفرق من المبلغ المقدم من قريبتي وكان بإمكاني أن أتقاسم المبلغ معه.
ب. لأني رأيت أن الاتفاق السابق بيننا فيه جشاعة وطمع واستغلال وغرر عليَّ لعدم فهمي لعالَم العقار حيث أقوم أنا بسداد أقساط شهرية لمدة ( 6 سنوات ) بمعدل ( 30 ألف ) سنويًّا وهو يأخذ الأرباح باردة مبردة لشرط غير منطقي.
طبعا صديقي غضب، وأنا الآن بين نارين، نار الاتفاق القديم ونار استغلاله لي وجهلي في ذلك الوقت واعتبار المبلغ المالي الذي وافقت على تقديمه له ليس له علاقه بالشرط. فما رأيكم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
السمسار هو الوسيط بين البائع والمشتري لتسهيل صفقة بيع وشراء.
وقد اختلف العلماء في تكييف عمل ” السمسرة “، فذهب الحنفية إلى أنَّ السمسرة من قبيل الإجارة، وذهب المالكية إلى أنها من باب الجعالة أو الوكالة، وأما الشافعية فقالوا: إن كان العمل مضبوطاً فهو إجارة، وإن كان غير مضبوط فهو جعالة، ويرى الحنابلة أنَّ السمسرة تدور بين الجعالة والإجارة.
والسمسرة أقرب ما تكون إلى ” الجعالة ” – بتثليث الجيم -، ويدلُّ على ذلك: جوازها على العمل المجهول، وتوقف استحقاق العوض فيها على الفراغ من العمل.
وعلى هذا أكثر العلماء والمجامع الفقهية والباحثين اليوم.
ثانيًا:
وجمهور العلماء اشترط في أجرة ” السمسرة ” أن تكون معلومة، ولذا منعوا من تجويز أن تكون أجرة السمسرة نسبة من الربح، وخالفهم في ذلك الحنابلة وبعض المالكية، فأجازوا ذلك، وقالوا إن مآل هذه النسبة إلى علم فليس ثمة جهالة، وقولهم هو الصواب، وقد قال به الإمام محمد بن سيرين من فقهاء التابعين، فقد روى عنه البخاري – معلقًا – قوله ” إذا قال: بِعْه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك: فلا بأس به “.
ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أن أعقب قول ابن سيرين بقوله- ( 2 / 794 ) -: وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ( الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ). انتهى.
والحديث رواه أبو داود ( 3594 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
ويقصد البخاري رحمه الله: أن ما اشترطه البائع على نفسه للسمسار يلزمه الوفاء به، حتى لو كان نسبة من الربح؛ لأن قول ابن سيرين ” بيني وبينك ” يعني أنه جعل للسمسار نصف الربح، وهذا قد يجعله يتراجع عن الوفاء بما التزم به له لما يراه من ارتفاع المبلغ، ولعلَّ هذا ما حصل مع الأخ السائل وذاك الصديق السمسار.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وإذا كانت إجارة بالمعنى العام التي هي ” الجعالة “: فهنالك إن كان العوض شيئاً مضموناً من عيْن أو ديْن: فلا بد أن يكون معلومًا، وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل: جاز أن يكون جزءًا شائعًا فيه كما لو قال الأمير في الغزو: مَن دلَّنا على حصن كذا فله منه كذا، فحصول الجعل هناك مشروط بحصول المال مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه. ” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 104 ، 105 ).
* وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي – رحمه الله -:
( يجوز أن يستأجر سمسارا ليشتري له ) أي: للمستأجر ( ثيابًا ) لأنه منفعة مباحة كالبناء ( فإن عيَّن العمل دون الزمان فجعل له من كل ألف درهم شيئًا معلومًا صح ) العقد. ” كشاف القناع ” ( 4 / 11 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ولو قال: إذا رددتَ بعيري الشارد: فلك نصفه: فهذا معلوم، لكنه معلوم بالنسبة؛ لأنه جزء مشاع، فلا بأس؛ كالمضارب تعطيه المال وتقول: اتجر به ولك نصف الربح، فربما يتجر به اتجاراً شاقّاً عظيماً ولا يحصل ربح وربما تظن أنه لن يربح إلا قليلاً فيربح كثيرًا.
فالمعلوم إذًا إما أن يكون بالتعيين بالعدد والوصف، وإما أن يكون بالمشاع أي: بالسهم. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 345 ، 346 ).
وعليه: فما التزمتَ به لصاحبك من أن له ثلث الربح الناتج من العقار الذي دلَّك عليه: يلزمك الوفاء به ما دام العقار يؤجَّر وتستفيد منه، وكان يمكنك جعل أجرته نسبة من الربح أقل من هذا، وكان يمكنك جعلها مقطوعة لمرة واحدة، وكان يمكنك تحديد تلك النسبة بسنوات محددة، وكل ذلك لم يكن منك ولا ذنب له فيه، فهو يستحق ما اتفقتَ عليه معه، فإذا بعتَ العقار انقطع حقُّه في ثلث الربح، وكذا لو حصلت لأحدكما وفاة، فالتزم بالوعد، وأوف بالعهد، ولا تطمع بما في حق غيرك يبارَك لك في مالك إن شاء الله، وجهلك بالعقار لم يؤثر على العقد من حيث صحته وبطلانه ولكنه أثَّر من حيث قدر ربحك وربح صديقك، وهذا تتحمله أنت، ولو كان ظلمًا لرفعته الشريعة عنك، ولكنه ليس كذلك، حتى يتنازل هو عن نسبته بالكلية أو جزء منها.
ثالثًا:
والصفقة الأخرى التي جاء بها صديقك لقريبتك من حقه أن يأخذ الفرق بين السعرين والذي وفَّره من المبلغ المدفوع للمشتري، وقد كان هذا المبلغ سيُدفع من طرفكم أصلاً للبائع، وقد وافقتَ أنت على إعطائه ما يخصمه على البائع، إلا أننا نرى أن هذا هو سعيه من طرفك، وليس له المطالبة بسعي غيره منك، وله الحق في السعي من الطرف الآخر أي: البائع.
هذا الذي يظهر لنا، ولستَ بحاجة لأن تكون بين نارين، ولا نار واحدة حتى، فصديقك كان سببًا في وجود عقار تملكه، وهذا العقار يدر عليك ربحًا، فلا تفرط في صديقك؛ فإن الصداقة الحقيقية تُشتري بالغالي والنفيس، وإن الصديق الحق هو من يبذل ما عنده ليضعه في جيب صديقه، فكيف إذا كان هذا حقّه الذي كفلته له الشريعة؟!.
ونسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يزيد ما بينكما من ود ومحبة، ونشكرك إذ عرضت الأمر علينا، ونظن بك خيرًا أنك ستلتزم بالحكم الذي حكمنا به، ونسأل الله أن يبارك لكما فيما رزقكما وأن يقيكما عذاب النار.
والله أعلم.


