الفرق بين اليمين والنذر وحكم من حلف أن يتصدق بكل ماله إن فعل معصية وفعلها!
السؤال
أعيش في الغرب، وبفضل الله وكرمه منَّ الله عليَّ ببعض المال الذي أستطيع أن أهاجر به إلى الله وأغادر إلى بلاد إسلامية، إلا أنني مؤخرًا وقعت في مشكلة مع معصية أرتكبها والتي عانيت الكثير لكي أقلع عنها وتبت منها العديد من المرات، وحتى لا أعود لها ثانيةً نذرت ( نذر يأس وغضب ) وقلت بالحرف: ” والله لئن وقعت في هذه المعصية ثانية فسوف أتصدق بهذا المال الذي وفرته للهجرة، ولن أكفِّر كفارة يمين “، ولكن – وبكل أسف – لم أستطع منع نفسي عن اقتراف هذا الذنب وفعلته ثانية
من فضلكم أطلب المساعدة منكم، هل يمكنكم مساعدتي؟ أنا لا أريد البقاء في هذه البلاد أكثر من ذلك حتى لا أفتن.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الواجب عليك قبل كل شيء أن تتوب من ذنوبك الذي فعلتَ، وأن لا تيأس من رحمة الله، وطريقك رجوعك إلى الله غير مغلقة أبوابه ما دمتَ على قيد الحياة، فاسأل الله – دومًا – الثبات على الدين والتوفيق للعمل الصالح.
ثانيًا:
ما قلتَه لا يخرج عن كونه يمينًا أو ” نذر اللجاج والغضب “، وعلى كلا الاحتمالين فإن كفَّارتي يمين تجزئك للتخلص من الحنث فيهما، الكفارة الأولى لحلفك بالتصدق بجميع مالك، والكفارة الثانية لحلفك على عدم التكفير عن يمينك.
والمتكلم بالشيء إما أن يكون مقصوده حث النفس على فعل شيء أو منعها من فعله، أو يكون مقصوده التقرب إلى الله، والأول يمين، والثاني نذر، وأنت لم تقصد التقرب إلى الله تعالى بالتصدق بمالكَ كله بل كان مقصودك منع نفسك من الوقوع في الذنب، وقد انضاف لهذا أنك جئتَ بصيغة القسم، فصار لكلامك حكم اليمين.
ومقصود الناذر التقرب إلى الله بما قاله من إلزام نفسه بالأعمال الصالحة، فيكون -حينئذٍ – نذرًا ولو كان بصيغة القسم.
وهذا أشهر وأقوى ما يضبط به الفرق بين اليمين والنذر.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ولهذا كان نظر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى معنى الصيغة ومقصود المتكلم، سواء كانت بصيغة المَجازات أو بصيغة القسم، فإذا كان مقصوده الحث أو المنع: جعلوه يمينًا وإن كان بصيغة المَجازات.
وإن كان مقصوده التقرب إلى الله: جعلوه ناذرًا وإن كان بصيغة القسم، ولهذا جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الناذر حالفًا لأنه ملتزم للفعل بصيغة المُجازاة.
” مجموع الفتاوى ” ( 35 / 336 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله -:
ومن الفروق الصحيحة: الفرق بين اليمين والنذر، فاليمين مقصوده: الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، وتُحله الكفارة، والنذر: إلزام العبد نفسه طاعته مطلقًا، أو معلِّقاً لها على شرط حصول نعمة، أو دفع نقمة، ويتعين فيه الوفاء، فلا تفيد فيه الكفارة، وهو نذر التبرر، وأما باقي أقسام النذر: فيجري مجري اليمين.
” القواعد والأصول الجامعة ” ( ص 237 ).
وعلى الاحتمال الآخر فما قلته يكون ” نذر لجاج وغضب “، فيُخيَّر الناذر بين الوفاء بنذره إن كان خيرًا وبين كفارة يمين، ولا شك أن ما قلته لا يدخل في ” الخير “؛ لأنه سيلزم منه البقاء في ديار الكفر مما يعني مزيدًا من الوقوع في الآثام.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 40 / 143 ):
نذر اللجاج هو النذر الذي يمنع الناذر فيه نفسه من فعل شيء أو يحملها عليه، بتعليق التزام قُربة بالفعل أو الترك، وهو كقول الناذ: إن كلمت فلاناً أو لم أضربه: فعليَّ حج أو صوم سنة، أو: إن لم أكن صادقًا: فعلي صوم …. انتهى.
* قال الشيخ موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي– رحمه الله -:
الثاني: نَذْرُ اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهو تَعْلِيقُ نَذرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْهُ، أَوِ الْحَمْلَ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْدِيقَ أَوِ التَّكْذِيبَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وكَفَّارَةِ يَمِينٍ. انتهى.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – شارحًا قوله -:
قوله: ” الثاني نذر اللجاج والغضب ” هذا النذر من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني النذر الذي سببه اللجاج، أي: الخصومة، أو المنازعة، أو ما يشبه ذلك، والغضب: غليان دم القلب وفورانه، فينفعل الإنسان وينذر، لكن ما تعريفه؟ قال:
” وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه ” يعني: أن يعلق الإنسان نذره بشرط يقصد المنع منه، مثل أن يقول: إن فعلتُ كذا: فللَّه عليَّ نذر أن أصوم سنَة، وغرضه: أن يمنع نفسه من ذلك؛ لأنه إذا تذكر صيام السنة امتنع.
أو يقول إنسان لمن يمتنع بيمينه – كابنه مثلًا -: إن فعلتَ كذا فلله عليَّ نذرٌ أن أصوم سنَة، فهذا – أيضًا – يسمَّى نذر اللجاج والغضب، فقصده بذلك: المنع.
قوله: ” أو الحمل عليه ” عكس المنع منه، يعني: ينذر ليحملَ نفسه على الفعل، مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا: فعبيدي أحرار، وأملاكي وقف، ونقودي هبة، والمقصود: حمل نفسه على الفعل، فهذا يُسميه العلماء ” نذر اللجاج والغضب “، وإن لم يكن فيه لجاج أو غضب، ولا مشاحة في الاصطلاح، فما دام سموه نذر اللجاج والغضب، فنحن نقول ما قالوا، ونسميه بما سموه .
قوله: ” أو التصديق ” بأن يحدثنا بحديث فقلنا: هذا ليس بصحيح، فقال: لله عليَّ نذر إن كان كذبًا أن أصوم سنَة، لماذا قال هذا الكلام؟ قاله تصديقًا لقوله.
قوله: ” أو التكذيب ” بالعكس، بأن يحدثه شخص بشيء، فيقول: أنت كذاب، إن كان ما تقوله صدقًا فعبيدي أحرار، فالمقصود: التكذيب، يعني: يؤكد أنه يكذِّب هذا الرجل بهذا القول.
قوله: ” فَيُخَيَّرُ بين فعله وكفارة يمين ” كاليمين، يعني: كما لو حلفت على شيء، فإن فعلته فلا كفارة، وإن لم تفعله فعليك الكفارة، المهم نقول: هذا النذر إن شئت فافعل ما نذرت، وإن شئت فكفر كفارةَ يمين.
ودليل هذا الحديث الذي رواه سعيد في سننه: ( لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين ) – رواه النسائي وضعفه الألباني -، أما من جهة التعليل: فقالوا: إن هذا بمعنى اليمين؛ لأنه لم يقصد بهذا النذر إلا المنع، أو الحمل، أو التصديق، أو التكذيب، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )، ولنضرب مثالاً لذلك: رجل قال: لله عليَّ نذر إن فعلت كذا أن أصوم ثلاثة أيام، ففعل، فهل يلزمه صيام ثلاثة أيام أو كفارة يمين؟.
الجواب: يخيَّر، إن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء كفَّر كفارة يمين؛ لأن هذا النذر حكمه حكم اليمين.
وإذا قلنا إن حكمه حكم اليمين فهل الأولى أن يفعل أو الأولى أن يكفِّر؟.
نقول: سبق أن المسألة بحسب المحلوف عليه، إن كان خيرًا فالأفضل أن يفعل، وهنا في الغالب أنه خير؛ لأنه نذر، لكن مع ذلك لئلّا نلزمه نقول: أنت مخير بين فعلك، وكفارة اليمين.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 211 -213 ).
والخلاصة:
ألن ما قلته لا يخرج عن كونه يمينًا- وهو الظاهر الأقوى أو نذر لجاج وغضب، وفي كلا الحالين يجزئك كفارة يمين عن الوفاء بما قلته، وبما أنك حلفت على شيئين فعليك كفارتي يمين، فتطعم عشرة مساكين عن كل كفارة فتغديهم أو تعشيهم، وليس عليك شيء يلزمك بعد ذلك إلا الهجرة من تلك البلاد التي تعصي الله تعالى فيها إلى بلاد إسلامية، مع الحرص على الزواج والبُعد عن أسباب الفتنة، ونأسف أن نقول إن كثيرًا مما تجده في بلاد الغرب لا تفتقده في بلاد الإسلام! فيحتاج الأمر لصدق في التوبة والإنابة، وأن تتقي الله تعالى حق تقواه في السرِّ والعلَن.
والله أعلم.


