الفتاوى الشاذة والباطلة، أسباب الإفتاء بها، وحكم العمل بما فيها
السؤال
سؤالي هو: أننا – النساء – نواجه في هذه الفترة شبهات كثيرة حول اللباس، فمن النساء من تلبس القصير وتلبس تحته بنطالًا – مثلًا -، وأخرى تلبس البنطال، وأخرى تلبس العاري، وإذا أردنا الإنكار على هذه أو تلك: ردت علينا بأن الشيخ الفلاني قد أباح والشيخ الفلاني قد أجاز والآخر رخص في هذا اللبس، وهكذا تتوالى علينا الشبهات في اللباس، فما العمل مع هؤلاء الناس؟ وهل ننكر عليهن أم لا
الجواب
الحمد لله
- لا بدَّ من التفريق بين ما يختلف فيه العلماء مما تحتمله نصوص الشرع وتسعه قواعدها وأصولها، وبين ما يُخترع من أقوال وأحكام لم يقل بها أحد من سلف الأمة، ولم يدل عليها نص من كتاب أو سنَّة، فالأول يمكن للمقلِّد الجاهل أن يتبع فيه فتوى من يثق بعلمه ودينه كائنًا ما كان القول، وأما الثاني : فالقول به من ” الشيخ “! أصلًا محرَّم لا يحل له، واتباعه في قوله من جاهل يغتر به ليس عليه إثم، وأما من يعرف حال المسألة ويعرف حال القائل به وأنه لا يحل له القول بها: فإن الأخذ بها اتباع للهوى، فيأثم هو وشيخه!.
- ومتبع هواه على خلاف نصوص الوحي لا شك في ضلاله، قال تعالى ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ) القصص/ 50.
ومتبع هواه لا ينفعه سماع الأدلة من الشرع، ولا أقوال العلماء المستندة إلى الكتاب والسنَّة؛ لأنه – وللأسف – يقوده هواه، وقد جعل هواه له إلهاً يأمره وينهاه، فلا ينقص هؤلاء علم بالأدلة، ولذا فإن الله تعالى يعاقبهم بمثل ذنبهم، فيختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، قال تعالى ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) الجاثـية/ 23.
وقد توعَّد الله تعالى متبعي الهوى بأشد العذاب، قال تعالى وقد قال تعالى: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص/ 26.
- ولا ينبغي تسمية تلك المسائل بـ ” الرُّخص “! بل هي ” شذوذات وأباطيل “؛ فإن الرخصة مستندها النص المحكم ليس هوى النفس، وما جاء ذِكره في السؤال ليس من ذلك في شيء؛ فإن خلاف العلماء المعتبر هو في وجوب تغطية الوجه وعدمه، ليس في كشف الشعر، ولا لبس القصير، ولا الضيِّق الذي يفصِّل العورة، ولا القصير الذي يظهر مفاتن البدن، بل هذه أفعال أهل الفجور والانحراف ومن المعيب على مشتغل بالعلم أن ينسب ذلك للشرع بأنه يجيزه ولا يمنعه.
- ولا ينتفع العامي المقلِّد إن كان متبعاً لشهوته وهواه، فالتي تعلم أن ذلك الشيخ قد أفتى بالباطل والمخالف من الأقوال فاتبعته عليه: فلن تسلم من الإثم، وتكون محكِّمةً لهواها، محتالةً على الشرع.
* قال الشاطبي – رحمه الله -:
وأما إن كان عاميًّا: فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع ….
ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلتُ إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحيَل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه: رمي في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة، وهذا المعنى جارٍ في الحاكم وغيره، والتوفيق بيد الله تعالى. ” الموافقات ” ( 5 / 96 ، 97 ).
فإذا أردتم الحديث مع أولئك المتبرجات أو المخالفات للشرع: فترفقوا معهن، وأعلموهن بواقع أمرهن وأنه اتباع للهوى وليس للدليل، وأنه لا يعفيهن من الإثم أن قال بذلك القول فلان وفلان؛ لأنهن – غالبًا – يعلمن من أنفسهن أن ما اخترنه من الأقوال إنما لأنه وافق هواهن، وأما من كانت لا تعلم الحق في المسألة فيبيَّن لها الأدلة على المسألة ويُذكر لها اختيار العلماء الثقات الكبار فيها، وتؤمر باجتناب مفتي التمييع باسم ” التيسير “!.
- وأما النصيحة لأولئك الذين يفتون بالشاذ والباطل من الأقوال: فنقدمها له من الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث يقول له:
ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه: لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما بلَّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَن الطريقة، مرضي السيرة، عدْلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيَّات: فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يعدَّ له عدته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدْر المُقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ) النساء/ 127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالةً إذ يقول في كتابه ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) النساء/ 176، وليَعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسئول غداً وموقوف بين يدي الله. ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 10 ، 11 ).
والله أعلم.


