حكم بيع سلَع ليست في ملك البائع وطرق تصحيح المعاملة

السؤال

أنا أعيش في بلد أجنبي، والوضع المادي ضعيف جدًّا، والزوج لا يعمل، فقررت أن أساعد زوجي, فأصبحت أقدم خدماتي عبر النت لأي أخت ترغب في شراء منتجات من البلد التي أسكن بها، تطلب بضاعة معينة, فأبحث عنها، ثم أرسل للمشترية صورة البضاعة، فإذا تم الموافقة أحسب لها ثمنها مع إيصالها إليها، وأطلب المال لأشتري البضاعة، ومن ثم أرسلها إلى المشترية. كانت الأوضاع جيدة وسعيدة بعملي إلى أن جاء يوم وطلبتْ مني أخت تاجرة بضاعة – وهي أحضرت المواقع – ولما حسبتُ لها البضاعة وحوَّلتْ لي الفلوس – وكانت ( 670 دولار ) أمريكي – ولما اشتريت البضاعة وانتظرت وصولها لم تصلني، ولما اتصلنا بالموقع الذي اشترينا منه البضاعة ما يرد أحد، ولما بحثنا تبين أنها شركة وهمية ووقعنا ضحية نصب، ينشئون مواقع لأجل سرقة الفلوس، ولما أخبرت الأخت بما حدث ما صدقتني وقالت أني كذابة وحرامية، وأنا حلفت لها وقلت لها أول ما تسمح لي الظروف أجمع لك المبلغ من حساب زوجي وأبعثهم لك، لكن الآن الموضوع له سنة أو أكثر ولم أستطع حتى الآن أن أجمع المبلغ.

هل عليَّ إعادة المال لها مع العلم أن المال أخذته الشركة الوهمية والأخت تطالبني بالمال؟ فما حكم الشرع؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن المعاملة التي تسألين عن حكمها أنها غير شرعية، وهي مخالفة للشرع من حيث إنك تبيعين ما لا تملكين، وتبيعين ما ليس عندك مما هو في غير مقدورك ضمانه وتسليمه للمشتري فصار بيع غرر ومعاملة قمار، ويترتب على العمل بهذه المعاملة مجالات للخصومة والنزاع، فقد تتفاجئين بارتفاع سعر البضاعة عما بعتِها به، كما قد تكون البضاعة غير متوفرة، وها هو محذور آخر قد ظهر في معاملتك وهو عدم وجود التاجر أصلًا! لذا لم يجز لأحد بيع سلعة معينة ليست عنده في ملكه، ولا حتى موصوفة في الذمة عند غيره – إلا ما استُثني من بيع السلَم -.

عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي، أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنْ السُّوقِ؟ فَقَالَ: ( لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )-. رواه الترمذي ( 1232 ) وأبو داود (3503 ) والنسائي ( 4613 ) وابن ماجه (2187)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ).

رواه الترمذي ( 1234 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3504 ) والنسائي (4611).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

” فاتفق لفظُ الحديثين على نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظُ مِن لفظه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتضمن نوعًا مِن الغَرَرِ؛ فإنه إذا باعه شيئًا معيَّنًا ولَيس في ملكه ثم مضى لِيشتريه، أو يسلمه له: كان مترددًا بينَ الحصول وعدمه، فكان غررًا يشبه القِمَار، فَنُهِىَ عنه ” انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 808 ).

* وقال – رحمه الله – أيضا – في بيان أنواع بيع المعدوم -:

” معدومٌ لا يُدرى يحصُل أو لا يحصُل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكونُ المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارعُ بيعَه، لا لِكونه معدومًا بل لكونه غَرَرًا، فمنه صورةُ النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمرو رضي الله عنهما؛ فإن البائعَ إذا باعَ ما ليس في مُلكه ولا له قُدرة على تسليمه، ليذهب ويحصله ويسلِّمه إلى المشتري: كان ذلك شبيهًا بالقمار والمخاطرة مِن غير حاجة بهما إلى هذا العقدِ، ولا تتوقَّفُ مصلحتُهما عليه “. انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 810 ).

ولو كان شراؤكِ من تلك المواقع شرعيًّا صحيحًا لما جاز لكِ بيع البضاعة وهي في محلِّها من غير أن تحوزيها، وهذا سبب آخر يجعل معاملتكِ غير شرعية – وانظري جواب السؤال رقم ( 39761 ) -.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ ).

رواه أبو داود ( 3499 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – بعد أن ذكر الأحاديث الثلاثة السابقة -:

” ومِن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضًا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق أمر لا يجوز؛ لما فيه من مخالفة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما فيه من التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه “. انتهى من ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ( 19 / 52 ، 53 ).

ثانيًا:

– وطريقة تصحيح معاملتكِ حتى تكون موافقة للشرع:

  1. أن تعرضي البضاعة على الراغب بشرائها عرضًا يرفع الجهالة ويقطع الخصومة، وتحددي سعرها الذي ستبيعينه به في حال تملكك لها، ويَعِدُ المشتري بشرائها بالثمن نفسه، على أن لا يكون ثمة إلزام لك بالبيع ولا لهم بالشراء بل لكلٍّ من الطرفين الخيار في التعاقد أو عدمه؛ فإذا ملكتِ السلعة ملكًا شرعيًّا ثم تعاقدتِ مع المشتري على البيع: أصبح العقد لازمًا للطرفين ويأخذ أحكام البيع المعروفة، ويسمى هذا ” بيع المواعدة “.
  2. أن تبيعي البضاعة المعروضة للزبائن ” بيع سلَم ” ومن شروط هذا البيع: تعجيل الثمن كاملًا، وضبط مواصفات البضاعة بما يرفع الجهالة، وتحديد الكمية، وتحديد موعد التسليم، والقدرة على تسليم البضاعة في وقتها.

جاء في قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” رقم 107 ( 1 / 12 ): ” إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل: فهذا يتم بإحدى طريقتين:

أ. أن يعجِّل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم ” السلَم “، فيجوز بشروطه المعتبرة شرعًا، المبينة في قرار المجمع رقم 85 ( 2 / 9 ).

ب. إن لم يعجِّل المستورد الثمن بكامله عند العقد: فإنَّ هذا لا يجوز؛ لأنه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين، وقد صدر قرار المجمع رقم 40 و 41 المتضمن أن المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه، فيكون البيع هنا من بيع الكالىء بالكالىء.

أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين أو لكليهما: فتكون جائزة، على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم، والله أعلم ” انتهى من ” مجلة المجمع ” ( العدد الثاني عشر ج 2 ، ص 391 ).

  1. أن تبيعي البضاعة للراغب بشرائها بعمولة مقطوعة أو بنسبة محددة على الثمن، فتعرضين البضائع على الناس وتحددين مبلغًا مقطوعًا كعشرة دولارات – مثلًا – على كل صفقة، أو نسبة 2 % – مثلًا – على فاتورة الشراء، فيكون هذا المبلغ أو تلك النسبة لقاء جهدك وتعبك من المبلغ المدفوع لك لشراء البضاعة.

وكما يمكن أن تكوني سمسارة للمشترين فيمكن أن تكوني سمسارة كذلك للبائعين.

وبخصوص المال المدفوع لك من قبَل تلك المرأة: فيجب عليكِ إرجاعه لها؛ لأنه حق لها، فأنت ترجعين على أصحاب الموقع بالمطالبة بمالك عن طريق الشرطة أو غيرهم، وتلك المرأة ترجع عليك بالمطالبة بمالها، وعسى أن تقدّر ظرفك فتصبر وتنتظر إلى ميسرة، أو تسقط حقَّها وهو خيرٌ لها عند ربِّها، قال تعالى ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280.

ونسأل الله تعالى أن يكتب لك أجر إعانتك لزوجك وقيامه بتحمل أعباء الحياة معه، ونسأله تعالى أن يرزقك رزقًا حسنًا طيبًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة