هل يصح وضوء المسلم بانغماسه وسباحته في البحر؟ وهل يُعذر بالجهل بحكم ذلك؟
السؤال
شخص يرمي بنفسه في البحر بنية الوضوء، فهل هذا الفعل صحيح علمًا وأنه ليس على جنابة?.
إن كان هذا الوضوء غير صحيح: فهل يعيد الصلاة أم يُعذر لجهله، مع العلم أنه قادر على التعلم لكنه تقاعس عن ذلك؟.
الجواب
الحمد لله
أولَا:
يختلف الوضوء عن الاغتسال من حيث أنه طهارة لبعض الأعضاء لا كلها، ومن حيث جمعه بين المسح والغسل، ومن حيث كون ترتيب طهارة الأعضاء فيه فرضًا.
ومن هنا أجزأ الجنب الانغماس في البحر ليخرج منه طاهرًا – مع المضمضة والاستنشاق – ولم يكن مجزئاً ذلك للمريد الوضوء؛ لأنه لم يرتب بين أعضائه، ولأنه غسلها كلها، ولذا إذا أراد المنغمس في البحر أو السابح الوضوء فإن عليه أن يتوضأ وهو في البحر بالترتيب الشرعي، ويلتزم مسح الرأس لا غسله.
* وفي فرض الترتيب في أعضاء الوضوء قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قوله ” والتَّرتيبُ “، وهو أن يُطهَّر كلُّ عضو في محلِّه، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوُضُوء، والدليل: قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/ 6.
وجه الدِّلالة من الآية: إِدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا التَّرتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسقٍ واحد، ولأنَّ هذه الجملة وقعت جوابًا للشَّرط، وما كان جواباً للشَّرط فإِنَّه يكون مرتَّبًا حسب وقوع الجواب.
ولأن الله ذكرها مرتَّبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ( أبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به).
والدَّليل من السُّنَّة: أن جميع الواصفين لوُضُوئه صلّى الله عليه وسلّم ما ذكروا إِلا أنَّه كان يرتِّبها على حسب ما ذكر الله.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 189 ، 190 ).
* وفي عدم إجزاء الانغماس في البحر في طهارة الوضوء:
- * قال الشيخ منصور البهوتي رحمه الله:
وإن انغمس ناويًا في ماء وخرج مرتَّبا: أجزأه وإلا فلا.
وفي ” حاشية الشيخ محمد بن قاسم ” عليه – ( 1 / 186) – قال:
أي: وإن لم يخرج مرتَّبًا فلا يرتفع حدثه، ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فانغمس في الماء ثم خرج من الماء: فعليه مسح رأسه وغسل رجليه. انتهى.
- * وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
إذا كنتَ في البحر تسبح: فلا حرج عليك أن تتوضأ وأنت في البحر، مع مراعاة الترتيب والموالاة، تبدأ بوجهك، ثم يديك اليمنى ثم اليسرى، ثم تمسح رأسك وأذنيك، ثم تحرك رجليك بنية الوضوء اليمنى ثم اليسرى.
” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 29 / 62 ).
- * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
والحاصل: أن الغُسْلَ المجزئ: أن ينويَ، ثم يسمِّيَ، ثم يعمَّ بدَنَه بالغُسل مرَّة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.
ولو أن رَجُلًا عليه جنابة فنوى الغُسْل ثم انغمس في بِرْكة – مثلًا – ثم خرج: فهذا الغُسْل مجزئ بِشَرط أنْ يتمضمض ويستنشق.
ولو أنَّه أراد الوُضُوء بعد أن انغمس: فلا يجزئ إِلا إِن خَرَج مرتِّباً؛ لأن التَّرتيب فرْضٌ على المذهب. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 364 ).
ثانيًا:
وليس على من انغمس في الماء ولم يتوضأ في الماء إعادة لما قد صلاّه؛ لأنه يُعذر بجهله، ومن صلَّى بطهارة خطأ فليس عليه إعادة؛ كما فعل الصحابي الجليل عمَّار بن ياسر في تمرغه بالتراب لما كان جُنباً، بل وأبلغ منه من ترك الصلاة وهو جنب لظنه أنه تلزمه طهارة الغسل لا غير، كما حصل مع الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم كلا الصحابيين بإعادة ما فات وقته من الصلوات، وكلا الأمرين ثبتا في حديث واحد في ” الصحيحين “.
ويُرجى أن يكون من فعل ذلك معذورًا؛ لخفاء ملحظ المسألة من جهة، ولوجود من يفتي بخلافها من جهة أخرى، لكن ما قلناه هو الصحيح الراجح، وليس على من كان خالفه إثم ولا إعادة إن شاء الله، إلا لمن علم بالحكم ولا يزال في الوقت فيلزمه إعادة الصلاة، كما حصل مع الصحابي الجليل الذي صلَّى من غير طمأنينة في الأركان وكان يأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة عينها دون ما قبلها من صلوات، وهو الحديث المشهور في الصحيحين والذي اشتهر عند العلماء باسم ” حديث المسيء في صلاته “.
والله أعلم.


