صحة عقد المضاربة برأس مال من الذهب وحكم تأخير تحديد نسبة الأرباح

السؤال

ما حكم الآتي:

شخص أعطى شخصًا آخر ( 100 جرام ) من الذهب للمتاجرة به، وتقدّر قيمته بـ ( 15575 درهم ) إماراتي ساعة العطاء، واشترط الطرفان هذه الشروط:

  1. يُعطى صاحب الذهب نسبة شهرية من الأرباح، ليست محددة هذه النسبة، وإنما يعتمد ذلك على نسبة البيع والشراء في كل شهر على حدة.
  2. لا يحق لأي طرف إلغاء العقد أو التراجع قبل سنتين من إبرام العقد.
  3. عند إرجاع الذهب لصاحبه فإنه يُنظر إلى سعر السوق فإن كان الذهب مرتفعًا عما كان عليه ساعة الأخذ فإنه لا يدفع إلا القيمة التي كانت عليه تلك الساعة دون النظر إلى ثمنه في الوقت الحالي.

فما رأي الشرع في مثل هذا؟ هل يُعتبر ربا؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

هذا العقد الوارد في السؤال يسمَّى ” القِراض ” أو ” المضاربة “، ولهذا العقد شروطه المتعلقة به حتى يقع صحيحًا نافذًا، ومن ذلك شروطه المتعلقة برأس المال، وقد اشترط جمهور العلماء أن يكون بالنقد – كالدنانير والدراهم قديماً وكالأوراق النقدية بأي عملة في وقتنا الحاضر – لا بالعروض، فلا يصح عندهم أن يكون رأس المال حليًّا – كما في السؤال -، وخالف في ذلك الحنابلة فأجازوا أن يكون رأس المال بغير النقد على أن يقوَّم هذا العرض بالمال عند ابتداء العقد ويكون مقدار التقويم هو رأس المال، وهذا القول هو الذي نراه صحيحًا، وعليه: فإذا أردتم أن يكون العقد صحيحاً بغير خلاف بين العلماء: فليبع صاحب الذهب ذهبَه بالمال وليدفعه للمضارب أوراقًا نقدية.

أو ليوكله ببيعه ويكون ما باعه به هو رأس المال الذي يضارب به، وهذا قول لبعض العلماء وهو صحيح خلافاً لمن منعه.

وإذا لم يحصل ذلك وتم تأخير بيع الذهب: فتصح المضاربة على الرواية الأخرى عند الإمام أحمد وهو قول بعض التابعين، لكن ليُعلم أن رأس مال المضاربة هو سعر الذهب المدفوع للمضارِب وقت العقد.

* قال ابن قدامة رحمه الله:

” وعن أحمد رواية أخرى أن الشركة والمضاربة تجوز بالعُروض وتُجعل قيمتها وقت العقد رأس المال، … وبه قال في المضاربة طاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان … فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها كالأثمان ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ما له عند العقد كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها “. انتهى – مختصرًا- من ” المغني ” ( 5 / 124 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 38 / 45 ): ” وقال الحنفية: لو دفع إليه عُروضًا فقال له: بعها واعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم ودنانير وتصرف فيها: جاز، لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض وإنما أضافها إلى الثمن، والثمن تصح به المضاربة “. انتهى.

ثانيًا:

أما بخصوص الربح: فقد اشترط العلماء فيه شروطًا, منها: أن يكون مقداره معلومًا بنسبة معينة لكل من المضارب ورب المال، وعليه: فلا يجوز أن يكون الربح مبلغًا محددًا للمضارب أو لصاحب المال، ومنها: أن تكون هذا النسبة المعلومة من الربح لا من رأس المال.

وعليه: فما جاء في السؤال من كون الربح نسبة غير محددة وإنما يُرجع في تحديدها لحركة البيع والشراء كل شهر: مما لا يجوز أن يكون في ذلك العقد؛ لما فيه من مخالفة للشروط الشرعية في عقد المضاربة والذي اشترط أن يتم الاتفاق على نسبة ربح كل طرف وقت العقد، ومن شأن هذا التأخير في تحديد النسبة ربح الطرفين أن يوقع بينهما الشقاق والنزاع؛ لأن أيًّا منهما قد لا يرضى بما يحدَّد له من نسبة، والشريعة المطهرة قطعت كل ما من شأنه أن يوقع العداوة والمنازعة بين أطراف العقود، ولذلك حدَّت حدودًا واشترطت شروطًا وأوجبت واجبات فيها، وبتحقيق ذلك كله لا تكون منازعة ولا شقاق.

لذا فحتى يصح ذلك العقد في المضاربة: يجب أن تُحدَّد نسبة كل واحدٍ من طرفي العقد عند إنشائه لا بعد المضي فيه.

ثالثًا:

الراجح من أقوال العلماء أنه يجوز توقيت عقد المضاربة بمدة زمنية معينة، وهو قول الحنفية والحنابلة، خلافاً لمن منعه كالمالكية والشافعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 28 ): ” يرى الحنفية والحنابلة أنه يجوز توقيت المضاربة، مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنَة فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر، فإذا وقَّت لها وقتاً انتهت بمضيه؛ لأن التوقيت مقيد، وهو وكيل، فيتقيد بما وقته، كالتقييد بالنوع والمكان، ولأنه تصرف يتوقت بنوع من المتاع، فجاز توقيته في الزمان، كالوكالة؛ ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في كل وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرَضاً، فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد، فصح، كما لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئًا ” . انتهى

وهو ما رجحه ” مجلس الفقه الإسلامي ” المنبثق عن ” منظمة المؤتمر الإسلامي ” حيث جاء في قرارهم رقم: 123 ( 5 / 13 ) قولهم: ” ولا مانع شرعًا من توقيت المضاربة باتفاق الطرفين، بحيث تنتهي بانتهاء مدتها دون اللجوء إلى طلب الفسخ من أحدهما، ويقتصر أثر التوقيت على المنع من الدخول في عمليات جديدة بعد الوقت المحدد، ولا يحول ذلك دون تصفية العمليات القائمة “. انتهى.

وعليه: فتوقيت عقد المضاربة الوارد ذِكره في السؤال لمدة سنتين صحيح وهو ملزم للطرفين.

رابعًا:

والأمر الأخير قد سبق الجواب عليه في ” أولًا “، ونزيد هنا فنقول: لو فُرض أن المضارِب باع قِسمًا من الذهب وأبقى قسمًا آخر حتى نهاية العقد: فيباع هذا الباقي، أو يقوَّم بسعر يوم تقسيم الأرباح بسعر يوم البيع، ويكون الفرقُ في ثمنه بين وقتِ الدخول في المضاربة ووقت انتهائها زيادةً أو نقصًا هو مما حققته المضاربةُ ربحًا أو خسارةً.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة