من عيَّن زكاة ماله ثم سرقت منه فهل يلزمه إخراج بدلها؟

السؤال

في رمضان هذا العام تعرض بيتي لسرقة، وكان معي من الذهب ما قيمته مائة ألف جنيه استرليني، ولكن لم يُسرق منه إلا ما قيمته خمسون ألف – ولله الحمد -، كما أني كنت قد وضعت بعض المال جانبًا على أساس أن أخرجه زكاة لذهبي ولكنه سرق أيضًا – للأسف -.

فهل عليَّ من زكاة في هذه الحالة ؟ فالبعض يقول: بما أن النية كانت موجودة وكنت قد خصصت مبلغ الزكاة وأخرجته جانباً فلم يعد عليك شيء ولا داعي لأن تخرجه من جديد، فهل هذا صحيح؟ والبعض الآخر يقول: لا، بل يجب عليك أن تخرجه؛ لأنك لم تخرجه أصلًا. فأرجو توضيح المسألة؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يجبر كسرك، وأن يرد عليك مالك، وأن يعوِّضك خيرًا مما أُخذ منك.

ثانيًا:

المال الذي يُسرق من صاحبه قبل تمام الحول عليه ويكون قد بلغ النصاب : فإنه لا إشكال في أنه لا شيء على صاحبه؛ لعدم ترتب الوجوب عليه.

ثالثًا:

وأما بخصوص مال الزكاة الذي جعلته لزكاة الذهب ثم سُرق منك: فإن العلماء لم يختلفوا في أنك إن حصل منك تفريط في حفظ ذلك المال، أو تفريط في إخراجه: أنه يلزمك إخراج بدل منه.

* قال ابن رشد – رحمه الله -:

وأما إذا وجبت الزكاة وتمكن من الإخراج فلم يخرج حتى ذهب بعض المال فإنهم متفقون فيما أحسب أنه ضامن إلا في الماشية عند من رأى أن وجوبها إنما يتم بشرط خروج الساعي مع الحول وهو مذهب مالك. ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد ” ( 1 /249 ).

وأما إن لم يكن حصل منك تفريط في حفظ المال ولم يحصل تفريط في إخراجه للمستحقين: فقد اختلف العلماء في حكم ذلك، فقال المالكية والشافعية بعدم وجوب إخراج تلك الزكاة مرة أخرى، وأن الذمة قد برئت بمجرد الإخراج حتى لو تصل للفقير، وقال الحنفية والحنابلة بأن ذمة المزكِّي لا تبرأ بمجرد تعيين الزكاة حتى تصل لمستحقيها، وأنها إن سرقت أو تلفت فيجب إخراجها مرة أخرى وجوبًا, وهذا هو الراجح.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( وإن أخرج زكاته ) أي: عزلها ( فتلفت قبل أن يقبضها الفقير لزمه ) أي: رب المال ( بدلها ) كما قبل العزل لعدم تعينها؛ لأنه يجوز العود فيها إلى بدلها ولم يملكها المستحق كمالٍ معزولٍ لوفاء رب الدَّيْن، بخلاف الأمانة.

” كشاف القناع ” ( 2 / 269 ).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن رجل حلَّت عليه زكاة ماله فأخرج الزكاة وأعطاها إلى من يتولى توزيعها على الفقراء والمساكين ووضعها في مكان آمن ثم سرقت منه هل يعيد الزكاة مرة أخرى؟.

فأجاب:

نقول: هذه الدراهم تضمن للمساكين لأنها لم تصل إليهم، ولم تصل إلى وكيلهم، فتضمن، لكن مَن الذي يضمن هل هو الوكيل أم الموكِّل؟.

نقول: إذا كان الوكيل قد فرَّط ووضع الدراهم في غير حرز: فالضمان عليه، وإن كان قد اجتهد ووضع الدراهم في مكان أمين: فالضمان على الموكِّل الذي هو صاحب الدراهم.

بقي أن يقال: لو أن شخصًا أعطى زكاته الجمعيات الخيرية وسرقت فهل هي مضمونة أم لا؟.

الجواب:

هي غير مضمونة؛ لأن الجمعيات الخيرية تتلقى هذه الأموال بمقتضى أمر وإذن من الحكومة، فهي كالعاملين على الصدقة، فيكون قبضها قبضًا شرعيًّا بالنيابة عن الفقراء، فإذا أتلفت الأموال عند الجمعيات الخيرية: فليس على الجمعيات ولا على صاحب المال ضمان الزكاة، إلا إذا حصل تفريط في حفظها، فيكون الضمان على الجمعية.  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 18 / 479 ، 480 ).

* وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا -:

لقد سُرقت محفظة نقودي في هذا اليوم وبها مبلغ من المال مخصص للزكاة، فهل تسقط الزكاة بهذا المبلغ الذي فُقد أو سرق أم يجب عليَّ إخراج الزكاة؟.

فأجاب:

هذا المال الذي أعدَّه السائل للزكاة لم يخرج عن ملكه بل هو في ملكه ولم يصل إلى مستحقِّه من الفقراء أو غيرهم، وعلى هذا فإذا سُرق المال الذي أعدَّه الإنسان للزكاة: فإنه يجب عليه إخراج بدله.

وربما يكون إخراج بدله سببا لأن يردَّ الله عليه هذا الذي سُرق منه.

” فتاوى الحرم المكي ” ( شريط رقم 9 ، عام 1413 هـ ).

رابعًا:

فإذا عاد إليك المال المسروق بعد سنة – أو أكثر – من إخراجك زكاته: فللعلماء في زكاته أقوال، فمِن قائل بأنه يعتبر كالمال المتجدد فتستقبل به حولًا جديدًا، ومن قائل بأنك تزكيه عن جميع تلك السنوات التي غاب عنك فيها، والقول الثالث أنك تزكيه لسنَة واحدة فقط، وهو قول الإمام مالك، وهذا هو الأقرب للصواب.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات، ثم قدر عليه صاحبه: فيزكيه لسنَة واحدة، كالديْن على المعسر. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع “.

( 6 / 28 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة