هل للزوجة طلب طلاق ضرتها بحجة الإيقاع بينها وبين زوجها؟

السؤال

أنا فتاة شابة أبلغ من العمر ( ٢٥ عامًا )، تعرفت على زوجي قبل سنتين، وبتوفيق من الله تم الزواج على الرغم من الظروف الصعبة التي واجهناها من قبل أهله ورفضي أن أكون زوجة لابنهم؛ وذلك لأن أختي متزوجة ممن يلقبونهم بـ ” الخادم “، وبعد نقاشات طويلة استمرت أكثر من سنة تم الزواج والحمد لله، وللعلم: أنا زوجته الثانية، وما زالت الأولى في عصمته رغم الخلافات المستمرة بينهم لمدة ( ١٤ سنة ).

في البداية تقبلتُ كل ظروفه ورضيتُ أن أكون زوجة ثانية بعدما أقنعني أنه ما زال يعيش معها من أجل أطفاله الأربعة، ولكن الأمور أصبحت للأسوأ بعدما حلفتْ زوجته الأولى وتعهدتْ بتطليقي من زوجي رغم أن عمر زواجنا أقل من شهرين، فلقد لجأت الزوجة الأولى إلى أعمال السحر والشعوذة – والعياذ بالله – وهي مؤمنة أنها ستسترجع زوجها، والآن تلجأ إلى أساليب تشتيت الأطفال وتحرضهم على كره والدهم رغم أن الكل يشهد ويعلم أن زوجي تحمل المعاناة لمدة طويلة خوفًا من غضب الله إذا طلقها وخوفًا من ضياع أولاده.

وقد نجحتْ في إبعاد زوجي عنِّي بالسحر، وما يزال يتلقى العلاج بالرقية الشرعية، أرجو منكم أن تنصحوني إذا كنت محقة في رغبتي أن يطلق زوجي هذه المرأة؛ لأني لا أرى فيها أي صلاح وخاصة بعد لجوئها لأعمال السحر والشعوذة وتعذيبها لأطفالها، رغم محاولات دامت لمدة أكثر من ( ١٤ سنة ) من قبَل زوجي لإصلاح الأمور بينهم، ولأني أخاف من غضبه سبحانه وتعالى.

أرجو منكم أن ترشدوني إذا كنت على صواب من طلبي؛ لأني قررت إذا لم يطلقها فسوف أطلب طلاقي منه.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الذي نراه أنكِ وقعت في مخالفة الشرع في طلبكِ من زوجكِ طلاق زوجته الأولى، وأنكِ ستخالفين الشرع في حال طلبتِ منه أن يطلقكِ.

أما المخالفة للشرع فقد وقعتِ فيها من جهة: طلبكِ الصريح من زوجك أن يطلق زوجته الأولى.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ). رواه البخاري ( 4857 ) – واللفظ له – ومسلم ( 1413 ).

ولفظ ( أختها ) في الحديث اختلف العلماء في معناها على أقوال:

1.الأخت في الإسلام.

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

فالمراد هنا بالأخت: الأخت في الدِّين، ويؤيده زيادة ابن حبان في آخره من طريق أبي كثير عن أبي هريرة بلفظ ( لَا تَسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لِتَسْتَفْرِغ صَحْفَتهَا فَإِنَّ الْمُسْلِمَة أُخْت الْمُسْلِمَة ).  ” فتح الباري ” ( 9 / 220 ) . وحديث ابن حبَّان – ( 9 / 378 ) – صححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( تحت الحديث 2805 ).

2. أختها بمعنى: غيرها سواء كانت أختها في النسب أو في الإسلام أو كتابيَّة.

* قال النووي – رحمه الله -:

والمراد بأختها: غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كافرة. ” شرح مسلم ” ( 9 / 193 ).

3. الأخت بمعنى ” الضرَّة “.

والحديث على المعنيين الأوَّل والثاني للفظ ( أختها ) هو بمعنى الشرط، فالتي تسأل الطلاق هي أجنبية وليست زوجةً بعدُ، وأما على المعنى الثالث فيكون معنى (أختها) هنا: الضرة، فيكون المخاطب بالنهي المرأة المتزوجة تسأل طلاق ضرَّتها.

* قال أبو عمر بن عبد البر – رحمه الله -:

في هذا الخبر من الفقه: أنه لا ينبغي أن تسأل المرأةُ زوجَها أن يطلِّق ضرَّتها لتنفرد به، فإنما لها ما سبق به القدر عليها، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 18 / 165 ).

وإذا رأت زوجةٌ في أخرى ما تظن أنه لا يصلح لزوجها إبقاءها في عصمته: فلها أن تطلب منه تطليقها لكن لا لكي تنفرد هي بزوجها، بل يكون ذلك منها على سبيل النصح المحض.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله: ( لا يحل ) ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوِّز ذلك، كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة. ” فتح الباري ” ( 9 / 220 ).

ثانيًا:

واستعمال تلك الزوجة للسحر لتطليق زوجك لك، وتحريض أولاده عليه: كل ذلك قد لا يكون حقيقة، ولا يعني أن المرأة إن تكلمت نفَّذت كلامها، والكلام الذي يجري بين الضرائر من المفسدين والمفسدات ينبغي أن يُطوى ولا يُروى؛ إذ غالبه لإيقاع العداوة والبغضاء بينهما، وإذا ثبت شيء من ذلك: فالزوج هو الذي يقرر هل مصلحة البيت والأولاد في الطلاق أو في بقائها على عصمته، والذي نراه في زوجك الحرص على أسرته من ضياعها وشتاتها؛ بدليل صبره هذه المدة الطويلة على زوجته وتحمله لها من أجل أولاده، فلا تكوني هادمة لما بناه، ولا تقطعي عليه صبره وتحمَّله، والقرار له في نهاية المطاف، فدعيه يتخذه بنفسه.

وإذا ثبت عمل سحرٍ من الزوجة الأولى لزوجها: فقد جاءت بمنكر عظيم، تستحق به التطليق إن لم تتب إلى الله توبة صادقة.

ثالثًا:

وطلبك لطلاق نفسكِ منه من غير سبب فيه مخالفة للشرع.

عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ). رواه الترمذي (1187 ) وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

الأخبار الواردة في ترهيب المرأةِ من طلب طلاقِ زوجها محمولةٌ على ما إذا لم يكن بسببٍ يقتضي ذلك. ” فتح الباري ” ( 9 / 402 ).

فإذا كرهتِ البقاء في عصمته لما يقع عليكِ من زوجك من ضرر، أو كان ذلك لسوء خلُقه معكِ أو لارتكابه للكبائر – وكل ذلك لم يكن من زوجكِ -: فلك طلب الطلاق، وأما إن كان ذلك لعدم تحملك بقاء زوجته الأولى في عصمته، أو كان ذلك لعدم تطليقه لها، ولم تستطيعي مع ذلك إعطاءه حقوقه الشرعية وطاعته بالمعروف: فليس لك الحق في الطلاق لتأخذي حقوقك منه، بل لك طلب المخالعة منه، وتبذلين له ما يطلبه منك.

ونسأل الله تعالى أن يهدي قلبك، ويوفقك لما فيه رضاه، ونسأله تعالى أن يجمع بينك وبين زوجك على خير، وأن يرزقكم العافية في دينكم ودنياكم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة