هل يحل المال الذي تدفعه الشركة شهريًّا لموظفيها في أنظمة التقاعد؟
السؤال
أعيش وأعمل هنا في ” سيرلانكا “، وهي دولة غير مسلمة – كما هو معلوم -، ومعظمنا يعمل في القطاعات الخاصة والتي لا تضمن لموظفيها ما يسمَّى ” معاش التقاعد “، غير أن هذه القطاعات ملزمة من الحكومة باتباع إحدى طريقين لضمان توفير مبلغ من المال للموظف لما بعد التقاعد، هاتان الطريقتان هما: الأولى: ما يسمَّى ” صندوق الادخار “، وهذه طريقة تتولى الإشراف عليها الحكومة نفسها، حيث يقوم الموظف بتحويل ( 20 – 25 % ) من مرتبه إلى هذا الصندوق، يقوم هو بدفع ( 8 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 12 % ) في حالة الـ ( 20 % )، أو ( 10 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 15 % ) في حالة الـ ( 25 % ).
والطريقة الثانية: هي ما يسمَّى بـ ” صندوق القطاع الخاص ” والذي يشرف عليه البنك المركزي، وفي هذه الطريقة تقوم الشركة بتحويل مبلغ مالي شهري من راتب الموظف إلى الصندوق.
والفرق بين الطريقتين: أن الموظف في الحالة الأولى لا يستطيع الاستفادة من هذه المدخرات إلا عند بلوغ سن التقاعد وهو ( 55 سنة )، أما الطريقة الثانية: فإن الموظف يمكنه استرجاع جميع الأموال التي استقطعت من راتبه بمجرد انتهاء عقده مع الشركة التي يعمل لديها أو بمجرد خروجه منها.
وفي كلتا الحالتين تقوم الجهات المشرفة على هذه الأموال بالمتاجرة ودخول سوق الأسهم .. الخ، بما يعني أن أموالنا المدخرة لديهم لم تكن جامدة وبالتالي فإن فوائد هذه المبالغ تضاف سنويّاً إلى المبلغ الأصلي، وتستمر هذه العملية هكذا إلى أن يتقاعد الموظف ( في الحالة الأولى ) أو يخرج من الشركة ( في الحالة الثانية )، عند ذلك له الحق في أخذ الأموال المدخرة طوال السنين الماضية مضافاً إليها فوائد تلك السنوات.
السؤال هو: ما حكم أخذ هذه الفوائد؟.
بالطبع نحن كموظفين ليس لنا الخيار في هذا الاستقطاع الشهري، سواءً كان في الطريقة الأولى أو الثانية، فكل الموظفين ملزمون باتباع إحدى الطريقتين، لكن في حالتي – والحمد لله – فالشركة التي أعمل فيها تتبع الطريقة الثانية، بما يعني أني سآخذ مدخراتي بمجرد خروجي من الشركة، فما حكم أخذي للفوائد التي ستأتي مع المبلغ الأصلي؟ والتي تُقدر بنسبة ( 10 % ) للموظف و ( 15% ) للشركة، فإذا كان أخذ هذه الفوائد لا يجوز: فمعنى ذلك أن أموال هذا الموظف المسكين كانت راكدة لا قيمة لها طوال السنين التي كان يعمل فيها! فما رأيكم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
مما لا شك فيه أن أنظمة التقاعد المذكورة في السؤال هي أنظمة محرَّمة لا يحل للموظف أن يشترك بها طوعًا واختيارًا؛ لأنها تقوم على المقامرة والاستثمار المحرَّم، وقد بينَّا حرمة هذه الأنظمة في إجابات كثيرة.
وقد بينَّا في بعض تلك الأجوبة أنه لا إثم على من أُجبر على الدخول في أنظمة التقاعد المحرَّمة، لكن ليس له مما يُدفع له إلا ما استقطع من راتبه طوال عمله، وأما ما جاءه من زيادة محرَّمة على ما أُخذ منه فهو مال خبيث عليه أن يتخلص منه في أي وجوه الخير شاء على أن لا يرجع نفع ذلك المال له، فلا يقضي به ديْنًا, ولا يبذله لأحد ممن يجب عليه نفقته.
ثانيًا:
وأما ما تدفعه الشركة لموظفها ليُستثمر المال كله في جهات يَحرم الاكتساب منها كالادخار في البنوك الربوية، والمضاربة بالأسهم الربوية والمحرمة، والاستثمار في أماكن اللهو والفساد: فله أحوال:
- أن تدفعه الشركة من طيب نفسٍ منها لموظفيها زيادة على رواتبهم، فهذا المال يجوز للموظفين أخذه دون ما زاد عليه من الفوائد الربوية والربح من مجالات محرَّمة.
- أن تدفعه الشركة عن غير طيب نفسٍ منها بل بقوة القانون، ويكون هذا المال من مالها الخاص، فهذا المال لا يجوز للموظفين أخذه لا عند التقاعد ولا عند انتهاء العمل في الشركة، بل عليهم إرجاعه للشركة نفسها، فتوزَّع الزيادة المحرَّمة في وجوه الخير وترد الأموال التي دفعتها الشركة مكرَهة إليها، إلا أن تطيب نفوسهم فيما بعد بأن يتملكها الموظف فتكون حلالًا له.
- أن تدفعه الشركة للموظف لكنه يكون في الأصل جزء من راتب الموظف نفسه! وهذا ما تفعله بعض الشركات والمصانع، فإنها تخصم هذه الزيادة – التي تُلزمها بها الحكومات – من رواتب موظفيها ثم تردها إليهم على أنها من أموالها، وهنا تحل هذه الزيادة التي تدفعها الشركة لأنها حق مسلوب للموظف من تلك الشركة.
ثالثًا:
وأما تعطيل المال وتجميده بما لا يعود نفعه على الموظف: فهذا ليس عذرًا حتى يلج باب المحرمات ويأخذ تلك الفوائد الربوية والزيادة الخبيثة من الكسب المحرَّم.
وليوصِ كل موظف اشترك في مثل هذه الأنظمة المحرَّمة أهلَه بأن يطيبوا كسبهم فلا يأخذوا لأنفسهم ما زاد عن الحق الذي لهم بعد موتهم.
– ونسأل الله أن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يعينك على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته.
والله أعلم.


