طالبة نصرانية تعترض على حكم القتل في الإسلام، كلامها، وجوابنا عليه
السؤال
لماذا أحلَّ الإسلام القتلَ حتى لو كان ضمن شروط تقتضي القتل؟ أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ أنا لا أصدِّق ما ورد في القرآن عن القتل، جاوبوني منطقيًّا؟.
الجواب
الحمد لله
- من الجيِّد أن تتوجه أسئلة غير المسلمين للمختصين بعلوم الشرع لسؤالهم عن أحكام الإسلام وحِكَمه، وهذا خير لهم من أخذ ذلك من عامة المسلمين ممن قد تغلبهم عواطفهم فيتكلمون بغير علم، وإننا لنرجو – مع هذا – أن يكون ثمة استعداد من السائلة لقبول الحق إذا وقفت عليه مما سنذكره في جوابنا لها، لا أن يكون سؤالها لمجرد النقد والاعتراض، ونرجو أن لا يخيب رجاؤنا بها.
- ولنبدأ جوابنا منطلقين مما جاءت به السائلة، وهو قولها ” أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ ” ونقول: نعم، هي ملك لله وحده، وإذا رأيتِ في شرع الله تعالى قتلاً لنفس ليست بإذن الله تعالى فسيكون إحراجًا لنا لأنك بذلك تقيمين الحجة علينا! ولذا فكل ما نقول به من أن فلاناً يستحق القتل أو يقام عليه حد القتل فعلاً فهو مما شرعه الله تعالى مالك النفوس والأرواح ولا يكون ذلك من المسلمين إلا بإذن ربِّهم، ومن خالف ذلك فهو متوعد بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة.
- وهل تعلمين – أيتها السائلة – لمن يصلح توجيه هذا السؤال الجيد له؟ إنه يصلح لطوائف من الناس، منهم:
أ. المنتحر! وهو الذي يقتل نفسه بأي طريقة، سواء مباشرة بإطلاق الرصاص على نفسه أو بإلقاء نفسه في البحر، أو بطريقة غير مباشرة كمثل شارب الخمر وشارب السجائر والذين يتسببون بإزهاق أنفسهم بتناول تلك الخبائث المحرَّمة.
وللعلم: فقد ذكرت صحيفة ” يو إس إيه توداي ” الأمريكية في عددها الصادر في التاسع من مارس 2005 م إحصائية لعدد المنتحرين في أمريكا فبلغت ( 29 ألف ) حالة انتحار سنويًّا! أي: بواقع ( 80 ) حالة يوميًّا!
ب. أمريكا! وذلك بسبب أنها قتلت مئات الملايين في العالَم في تاريخها الأسود، فقد قتلت فيتناميين، وكوريين، ويابانيين، وفلبينيين، وأفغان، وعراقيين، وغيرهم الكثير الكثير، فنرجو أن يكون منك سؤال لأولئك العصابة الإجرامية: لماذا تقتلون النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين والعزَّل في العالَم؟ أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟!.
ج. الروس والهندوس واليهود! وذلك لقتلهم – مجموعين – لمئات ملايين من المسلمين خلال سنوات حكمهم واستعمارهم لبلاد المسلمين، ويقال لهم: أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟.
وثمة غيرهم كثير يصلح توجيه ذاك السؤال لهم، وإنما قصدنا بما ذكرناه من أمثلة مدى الظلم في ترك كل أولئك وتوجيه ذاك السؤال للمسلمين فقط إذا قتلوا من يستحق القتل بأمر ربهم عز وجل، نعم لو وُجد مسلمون ظالمون يقتلون الناس بغير حق فنحن معك في توجيه السؤال لهم وهنا لن يكون لدينهم علاقة بالموضوع بخلاف من ذكرنا لكِ ممن دفعهم دينهم لإزهاق أرواح المسلمين ظلمًا وبغيًا، أو دفعتهم السادية وروح الإجرام وحب المال لقتل الناس عموماً كما تفعله الشركات الحاكمة لأمريكا ! فتحتل الدول الضعيفة من أجل إفادة شركات السلاح، فتهدم البلاد على أهلها، فتأتي شركات الإعمار لبنائها!، ثم تأتي شركات النفط لسرقة خيرات البلاد، ثم تُختم بالشركات الأمنية بعد الانسحاب لتقوم بدورها في تلك البلاد المنهوبة المستعمرة، أليس هؤلاء أولى بتوجيه الأسئلة لهم ومحاسبتهم على ما يقومون به من قتل وإبادة للناس؟!.
- ليس ثمة دين أنزل الله تشريعاته منذ أن خلق الله تعالى الخلق إلا جاء في تشريعاته المحافظة على ” الضرورات الخمس ” وهي: الدين، والعقل، والعرض، والعقل، والمال، ولا يمكن لتشريع رباني أن يتساهل في هذه الضرورات فيكون سبباً في إتلافها أو فنائها أو نقصها، ومن هنا نجد تحريم القتل، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، وتحريم السرقة، وتحريم الإساءة للدين من القواسم المشتركة بين كل الأديان، فهل سيكون الإسلام خاتم الأديان يجيء فيه من الأحكام ما يخالف ما سبقه من الأديان في ضرورة المحافظة على تلك الضرورات الخمس؟! الجواب: لا لا يكون ذلك كذلك، بل تجدين في الإسلام أعدل الأحكام وأشملها وأقومها وأصلحها لحياة الناس، وذلك لائق بالإسلام لأنه خاتم الأديان، وقد أُمر الناس جميعهم بالدخول فيه، فهو صالحة أحكامه لكل زمان ومكان.
- ومن أحكام الإسلام الجليلة التي جاء فيها الحفاظ على حياة الناس:
أ. تحريم الانتحار وقتل النفس.
ب. تحريم كل ضار بالبدن مما يؤدي إلى إتلاف النفس، كالخمور والمخدرات.
ج. تحريم الإجهاض!.
د. تحريم قتل النفس بغير حق، وقد ورد الوعيد الشديد في قتل النفوس الآمنة، ومن ذلك: ما قاله الله عز وجل ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء/93، ويشمل هذا حتى النفوس غير من المعاهدين والذميِّين، وفي ذلك يقول نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) رواه البخاري (2995).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. ” فتح الباري ” ( 12 / 259 ).
هـ. درء الحدود بالشبهات، فكل حدِّ قتل فيه شبهة فإنه لا يقتل معها صاحب الحد لوجود تلك الشبهة التي تدفع حد القتل عنه.
و. حصر حد القتل في العظيم من الجرائم كالردة والزنا للمحصن وقتل النفوس بغير حق؛ تعظيما لشأن الدين والعرض والنفس، وثمة ذنوب كثيرة عظيمة الذنب ليس حدها القتل، كالربا، والسرقة، وقذف المحصنات، والغيبة، وغيرها كثير، ولو كان الإسلام كما يصوِّره الإعلام الغربي الظالم لكان حد القتل على كل معصية وجريمة، وحاشا الإسلام أن يكون كذلك وهو يشتمل على أقوم الأحكام وأعدلها.
ز. فتح الباب للتائبين من القتل، ووعدهم بتكفير سيئاتهم، ولنا في قصة الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا عبرة؛ فإنه لما أخبره عابد جاهل أنه ليس له توبة قتله! وكمَّل به المائة، ولكنه لما التقى بعالِم فأخبره أن له توبة توقف عن القتل، وهذه القصة رواها لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد الناس من الأمم السابقة.
ح. الترهيب الشديد من القتل وأنه قد يؤدي بالقاتل إلى الكفر المخرج من الملة؛ وذلك حين يستحل ذلك القتل ولا يحرمه بسبب ما وقع منه من جرأة على قتل نفس معصومة، وفي ذلك يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) رواه البخاري ( 6469 ).
ط. لم يُجعل حد القتل في الإسلام لمستحقه يقوم به آحاد الناس، بل هو من اختصاص القضاء الشرعي، وولاة الأمر.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 245 ).
ولو جُعل القتل للناس ليأخذ كل واحد حقَّه لتجاوز الأمر القاتل، ولحصل كما كان الأمر في الجاهلية، فيُقتل عشرة مقابل واحد، ويُقتل رجل أو أكثر مقابل امرأة، وكل هؤلاء المقتولين إنما قٌتلوا ظلماً، وأما في الإسلام فلا بدَّ من ثبوت القتل على القاتل، ولا بدَّ من انتفاء الشبهة، ثم يصير مستحقّاً للقتل، ولا يقف الأمر عند هذا، بل يُرغَّب أهل المقتول بالعفو مجانًا عن القاتل، أو بقبول الدية، والشرع المطهر قد رغَّب أولياء المقتول بالعفو، ووعدهم بالأجر الجزيل إن هم قاموا به، وأذن لهم بالصلح بأكثر من الدية الشرعية من أجل كسب موافقتهم بعدم إيقاع القتل على القاتل، وبالطبع لا يكون مثل هذا الترغيب بالعفو ولا الترغيب بالشفاعة عند أولياء المقتول فيما لو كان القاتل مجرمًا عتيدًا لا يظهر عليه أثر التوبة والندم على فعله، بل مثل هذا يَحرم الشفاعة فيه؛ وبقتله يأمن الناس على أنفسهم، وفي ذلك يقول الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة/ 179، وهذه الجملة البليغة تلخِّص الحكمة من القصاص من القاتل، وهي أبلغ وأعظم دلالة مما كان يقوله الجاهليون في جاهليتهم بكلمة نحوها.
* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: القصاص؛ فإن الإنسان إذا غضب وهمَّ بأن يقتل إنسانًا آخر فتذكر أنه إن قتله قُتل به: خاف العاقبة فترك القتل، فحيي ذلك الذي كان يريد قتله، وحيي هو؛ لأنه لم يَقتل فيُقتل قصاصًا، فقتْل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة، كما ذكرنا، قال تعالى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة/ 79، ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهَد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم كتاب الله؛ لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا.
وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحْبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع: كله كلام ساقط، عار من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة: فإن السفهاء يكثر منهم القتل فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل. ” أضواء البيان ” ( 3 / 31 ، 32 ).
- ومن المعروف في عالَم الاجتماع والأدب والسلوك قاعدة ” من أمن العقوبة أساء الأدب ” فلنتخيل أنه ليس ثمة قتل يستحقه القاتل للنفوس البريئة فما الذي سيردع القاتل إذًا؟ ها هو الحبس لا يردع ذلك، وها هي الغرامات والتعزيرات لا تفعل ذلك، وها نحن نرى معدل الاغتصاب والجريمة – في أمريكا مثلًا – يُحسب بالدقائق! – وللعلم: ففي عام 2005 م بلغ عدد ضحايا جرائم القتل في أمريكا ( 16500 ) شخصًا، وقد ذكرت ” منظمة العفو الدولية ” في تقرير لها بعنوان ” أوقفوا العنف ضد المرأة ” لعام 2004 أنه في كل 90 ثانية تُغتصب امرأة في أمريكا وحدها! – فأي حياة يعيشها المرء وهو يرى حوله من هو آمن من عقوبة القتل ؟ ولتنظري إلى عقوبات ” قوانين المرور ” – مثلًا – في الدول الغربية وغيرها كيف أنها ساهمت – إلى حدٍّ كبير – في ضبط الناس وجعلتهم يلتزمون بقواعد السير والمرور، ولكِ أن تتخيلي – ولو للحظات – كيف سيكون الحال لو أنك تلك الدول قالت لشعبها ” سنرفع عقوبات قوانين المرور لمدة 3 ساعات ” فكيف سيكون الحال؟ في ظننا أنه سيكون كذاك الحال لما انقطعت الكهرباء عن إحدى ولايات أمريكا لمدة نصف ساعة؟!!.
- ولا ندري ما الذي يضير الإنسان لو أن دولةً من الدول سنَّت أعظم العقوبات في حق من قتل غيره ظلمًا، أليس هذا من مصلحة الجميع وسيعيش الناس آمنين مطمئنين على حياتهم وعلى حياة أولادهم في ذهابهم إلى المدرسة وعلى حياة بناتهم عندما يزورن جيرانهم أو أقاربهم؟! فلماذا النقد والاعتراض على قانون يضمن نفسي وأسرتي كما هو الحال في قوانين البلديات وقوانين المرور وقوانين الغذاء والدواء وغير ذلك كثير مما لو لم تُجعل العقوبات الرادعة في تلك القوانين لضاعت أنفس الناس بالحوادث والأطعمة والأشربة والأدوية.
إنه لا يعترض على قوانين السلامة إلا السفيه في قيادته، ولا يعترض على قوانين عقوبات التحرش بالأطفال إلا الشاذ، ولا يعترض على قوانين حماية الغذاء والدواء إلا غاش، ولا يعترض على قوانين حماية الأرواح من القتل إلا قاتل مجرم، هذا هو الحال وإن عاند معاند أو كابر مكابر، وإلا فكل قانون يحفظ على الناس دينهم وعرضهم ونفوسهم فإن من شأنه أن يؤيَّد ويرعى لا أن يُنقد ويُعترض عليه؛ لأنه بذلك الاعتراض ينتشر الفساد.
- واعلمي أن عدد من قُتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين والكفار لم يتجاوز الألف شخص من الطرفين! وأنه لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة أحدًا من الكفار! مع أنه كان مشاركًا في الحروب معهم؛ وذلك لأن قتله للناس تتعارض مع عظيم رسالته الداعية للنجاة من النار والجالبة لهم سعادتي الدنيا والآخرة، بينما كان عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى حوالي ( 14 ) مليونًا والحرب العالمية الثانية حوالي ( 55 ) مليونًا! فهل كان قتل هؤلاء على يد المسلمين؟! وهل كان ” هتلر ” و ” تشرشل ” و ” موسوليني ” مسلمين؟!.
- واعلمي – أخيرًا – أن الله تعالى حكيم عليم، لم يشرع القتل ولا غيره من الأحكام إلا لما يعلمه تعالى من أنه لا صلاح للناس إلا بالأخذ به، ولذا نرى أن كل مجتمع يتحلل من الأحكام الشرعية تقع فيه المآسي والأمراض والجرائم والتفكك والانحراف، ونظرة يسيرة إلى أي مجتمع غربي متحلل تجدين صدق القول، فهذه الأمراض الجنسية قد فتكت بهم، وهذه الجرائم قد انتشرت انتشار النار في الهشيم، وهذه الأسر قد تفككت، وهؤلاء الأبناء قد انفصلوا عن أهليهم فأفسدوا في الأرض، وقد عصم الله تعالى المجتمعات المسلمة القديمة من هذه الآفات وما انتشرت في مجتمع إلا بسبب بُعده عن تعاليم دينه وأخذه من تعاليم الغرب وطرق حياتهم.
فنرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا، وفي جعبتنا كلام أكثر من هذا لكن ظننا الحسن بك أنه يكفيك القليل من الكلام المؤصَّل عن الكثير العاطفي الخالي من الأدلة والمنطق، ومع ذلك فما ترينه يحتاج لتوضيح أو تدليل بالأدلة الشرعية فنحن على أتم الاستعداد للإجابة عنه، وسترين – إن شاء الله – في نهاية المطاف أن لا صلاح للفرد والمجتمعات إلا بالتمسك بالإسلام، وأنه الطريق الوحيد الموصل إلى رضوان الله تعالى وجنَّته.
والله أعلم.


