كلمة حول رد دعوى انتشار الإسلام بالسيف، وكلمة حول الإسلام وإسبانيا.

السؤال

تقولون إن الإسلام دين السلام، ولكن كيف ذلك والإسلام ما انتشر إلا بالسيف، وما إسبانيا إلا دليل على ذلك ؟ ولماذا لم يعد يوجد أي أثر للإسلام في إسبانيا وفي غيرها من الأماكن التي دخلها الإسلام في الماضي؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن دعوى انتشار الإسلام بالسيف دعوى زائفة لا ندري كيف لا يزال من عنده مسكة عقل يرددها، ويدل على زيفها أمور:

  1. إن معنى الإكراه على الإسلام أن من اعتنقه مكرهًا لا يؤمن بالله تعالى ولا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه، وهذا لا يكون مسلمًا أصلًا، بل هو منافق، والإسلام يحارب النفاق وأهله فكيف يكون سبباً في وجوده وانتشاره؟!.
  2. نهى الله تعالى عن إكراه الناس على الإسلام بالنص الصريح فقال ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة/ 256.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين ) أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحدٌ على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 682 ).

  1. ومما يكذِّب هذه الدعوى: حكم الإسلام في الأسرى من الكفار، فليس هو إكراههم على الدخول في الإسلام، بل جُعل أمرهم للإمام والخليفة، فيمكن أن يأخذ مقابلهم فداء، ويمكن أن يأمر بقتل المقاتلة منهم، ويمكن أن يَمُنَّ عليهم بالعفو وإطلاقهم، وفي كثير من الأحيان يكون العفو هو سبب دخول أولئك في الإسلام كما في قصة ” ثمامة بن أثال “.
  2. ومما يكذِّب هذه الدعوى: وصية النبي صلى الله عليه وسلم لقادة الفتح الإسلامي بأن يدعو المخالفين للدين إما بالدخول في الإسلام رغبة وطواعية أو دفع الجزية مقابل حمايتهم أو القتال لمن يأبى أحد ذينك الأمرين، كما في حديث بريدة رضي الله عنه قال:( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ… وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ … ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ … فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. رواه مسلم ( 1731 ).
  3. ثم إنه قد كذَّب هذه الدعوى عقلاء كثر من غير المسلمين، ومن ذلك:

أ. قال ” ريفونويت “: ” إنه من الحماقة أن نظن أن الإسلام قام بحد السيف وحده؛ لأن هذا الدين الذي يهدي للتي هي أقوم يحرم سفك الدماء ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر “.

ب. وقال ” جورج سيل “: ” لقد صادفت شريعة محمد ترحيبًا لا مثيل له في العالم، وإن الذين يتخيلون أنها انتشرت بحد السيف إنما ينخدعون انخداعًا عظيمًا “.

ج. وقال ” سير توماس أرنولد “: إن الفكرة التي شاعت أن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق، إن نظرية العقيدة الإسلامية تلتزم التسامح وحرية الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى “.

نقلنا الأقوال بواسطة بحثشبهات المستشـرقين حول دوافـع الجهاد عند المسلمين والرد عليها ” المنشور في ” ملتقى أهل الحديث ” للأخت ” باحثة شرعية “. وانظر أقوالاً أخرى وتفصيلاً في جواب السؤال رقم ( 43087 ).

والواقع يشهد أن الشيوعية والنصرانية هي التي انتشرت بالحديد والنار، ومن نظر في جرائم الشيوعيين وجرائم الصليبيين في التاريخ تبيَّن له صدق القول.

  1. ومما يكذب هذه الدعوى: وجود مسلمين بالمليارات – على مدى أزمنة متعددة – في بلاد لم يصلها مجاهد ولم يفتحها فاتح مسلم، ونعني به كثيرًا من دول آسيا، وهي التي دخل الناس فيها في الإسلام طواعية بسبب ما رأوه من أخلاق التجار المسلمين.

وأقرب من ذلك وأسبق: المدينة النبوية والتي كانت عاصمة الدولة الإسلامية فهل فُتحت بالسيف؟! والجواب: قطعًا لم يكن أمرها كذلك.

  1. ولو كانت تلك الدعوى صحيحة: لخرج المسلمون من الإسلام عندما ضعفت الدولة الإسلامية أو عندما زالت، ولكنا رأينا ردَّة جماعية لكثير من الدول – كما حدث للدول التي كان يحكمها ” الاتحاد السوفيتي الشيوعي البائد – وكل ذلك لم يحصل، بل قد عانى كثيرون من ظلم واستبداد الطغاة بعد حكم المسلمين – كما حصل لمسلمي الأندلس – وبقوا على إسلامهم، أو هاجروا حفاظًا على دينهم، ومن دخل منهم في النصرانية فقد دخلها بالحديد والنار – كما سيأتي -.
  2. ومما يكذب هذه الدعوى: أن المسلمين الآن لا يجاهدون ولا يفتحون البلدان بالسيف وقد أثبتت الإحصائيات أن الإسلام أسرع الديانات انتشارًا، فمن أكره تلك الآلاف التي تدخل في الإسلام كل يوم؟!.

ثانيًا:

وما ذكرناه لا يعني إلغاء الجهاد من الإسلام، بل هو مشروع، كما ذكرناه في حديث بريدة، وهو لقتال من يمنع المسلمين من تبليغ رسالة الإسلام التي يَخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العبَاد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

وقد أرسل الله تعالى رسوله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالإسلام للناس كافَّة، ومسئولية إيصال هذه الرسالة تقع على عاتق المسلمين، فإن فُتحت الطريق لدعوة الناس دون عوائق فلا يُقاتل أحد، وإن وقف أحد في طريق هداية الناس ووجدت القدرة على قتاله قُوتل.

ثالثًا:

وأما فتْح المسلمين للأندلس – إسبانيا حاليًّا – فقد كان لتخليص البلاد المحتلة المضطهدة أصلًا من ظلم الطغاة الحاكمين لها؛ فإنها لم تكن تحت حكم سكانها الأصليين، ولم يكن المسلمون هم المبتدئين للاحتلال، إنما خلَّصوا البلاد من ذلك الاحتلال الظالم بطلب من المظلومين أنفسهم، واختيار كثير منهم للإسلام ديناً كان عن رغبة منهم وليس قهرًا.

وأما لماذا لم يعد للمسلمين وجود: فاسأل التاريخ عن ” محاكم التفتيش ” والتي كان يُنكَّل فيها بالمسلمين على أيدي النصارى الكاثوليك الحاقدين تنكيلًا ما سمع التاريخ بمثله، واستمروا على ذلك على قضوا على الوجود الإسلامي في تلك البلاد، ومحوا آثاره الدالة عليه، وكان ذلك في سنة 897 هـ ، 1492 م.

جاء في ” الموسوعة العربية العالمية ” ما نصه:

” محاكم التفتيش “: هيئات أنشأتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للقبض على من سموهم المهرطقين المارقين ( الأشخاص المعارضون لتعاليم الكنيسة ) ومحاكمتهم، أقيمت محاكم التفتيش في كثير من أجزاء أوروبا، ولكن محكمة التفتيش الأسبانية كانت هي الأكثر شهرة، وأشهرها : تلك المحاكم التي أقامها ” فرديناند الخامس ” وزوجته ” إيزابيلا ” للتجسس على أهل الأندلس الذين فرضت عليهم النصرانية، وقد نكلت بالمسلمين بوحشية. انتهى.

* قال الأستاذ جلال العالم:

تقول الدكتورة ” سيجريد هونكه “:

في 2 يناير 1492 م رفع الكاردينال ” دبيدر ” الصليب على الحمراء – القلعة الملكية للأسرة الناصرية – فكان إعلانًا بانتهاء حكم المسلمين على أسبانيا.

وبانتهاء هذا الحكم ضاعت تلك الحضارة العظيمة التي بسطت سلطانها على أوربا طوال العصور الوسطى، وقد احترمت المسيحية المنتصرة اتفاقاتها مع المسلمين لفترة وجيزة، ثم باشرت عملية القضاء على المسلمين وحضارتهم وثقافتهم.

لقد حُرِّم الإسلام على المسلمين، وفرض عليهم تركه، كما حُرِّم عليهم استخدام اللغة العربية، والأسماء العربية، وارتداء اللباس العربي، ومن يخالف ذلك كان يحرق حيًّا بعد أن يعذّب أشد العذاب “. انتهى.

وهكذا انتهى وجود الملايين من المسلمين في الأندلس فلم يبق في أسبانيا مسلم واحد يُظهر دينه.

” قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله ” ( ص 9 ، 10 ).

واقرأ ما كتبه  ” غوستاف لوبون ” في كتابه ” حضارة العرب “.

– وانظر ما في هذا الرابط حول ” محاكم التفتيش “:

http://www.churchinquisition.info/

ونسأل الله أن يهدي قلبك للإسلام، وننصحك بأن تسارع لإنقاذ نفسك مما أنت فيه، فثمة موت ينتظرك وحفرة تستعد لاستقبالك، وليت الأمر يقف عند ذلك بل بعد القبر حساب، ثم خلود في جنة أو خلود في نار، فلا تضيع ما بقي من عمرك وأدرك نفسك.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة