هل مراسلة الأرحام برسائل الجوال والبريد الإلكتروني يعدُّ من صلة الرحم؟
السؤال
لقد قمت بدعوة مجموعة من إخوتي وأهلي لمشروع يقوم على إرسال رسالة أسبوعية عبر البريد الإلكتروني، وهذه الرسالة يقوم كل شخص بكتابة أخباره وأحواله وخواطره ويتفقد فيها أحوال باقي الأهل، ونتعاون فيها على السراء والضراء عبر إرسال رسالة جماعية تعبر عن المناسبة، فاستجاب لها عدد لا بأس به من الأهل، وأصبحنا نتبادل هذه الأخبار مرة واحدة أسبوعيًّا في يوم الخميس عبر إرسال رسالة الأخبار هذه لجميع من أعرف بريدهم الإلكتروني من أهلي سواء انضم إلى هذه الفكرة أو لم ينضم، وأصبحت – تقريبًا – مرجعًا للأهل لمعرفة أحوال بعضهم بعضًا.
سؤالي: هل يعتبر هذا الموضوع من أبواب صلة الرحم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اختلف العلماء في حد الرحم الواجب صلتهم، والراجح هو أنهم الأقارب من النسب سواء كانوا يرثون أم لا.
ثانيًا:
ولم يأت في الشرع تحديد للمدة التي يجب صلة الرحم فيها، ولم يأت تحديد لكيفية صلتهم، ولم يأت تحديد للأشياء التي يُوصلون بها، وما كان هذا حاله فمرجع تحديده وضبطه: عُرف البلد أو الأسرة أو القبيلة، والأعراف تختلف من بلد لآخر، ومن زمان لآخر، ومن أسرة وقبيلة لأخرى.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
صلة الرحم ليس فيها حد لا في المدة، ولا في الكيفية، ولا بالذي يوصل به مال أو كسوة أو غيره، فجاءت النصوص مطلقة ” صلة رحم “، فما عدَّه الناس صلة: فهو صلة، وما عدوه قطيعة: فهو قطيعة، وبهذا تختلف الأحوال، قد يكون الناس في حال فقر والأقارب يحتاجون كثيرًا: فهنا لابد أن أصلهم بالمال، وقد يكون بعض الأقارب مريضًا يحتاج إلى عيادة: فلا بد أن أعوده، فالمهم أن صلة الأرحام موكولة إلى عرف الناس، وليس لها حد.
السائل: وإن كانت الحالة طيبة ليس هناك فقر ولا مرض؟!.
الشيخ: الحمد لله! حسب ما تجري العادة، يعني – مثلًا -: تتصل عليهم بالهاتف كل شهر مرة أو كل شهر مرتين أو كل أسبوع حسب الحال.
” لقاء الباب المفتوح ” ( 73 / السؤال 26 ) باختصار وتصرف يسيرين.
وبه يُعلم الجواب عن عين سؤال الأخ، وهو أنه لا حرج من أن تكون الصلة للأرحام بكل ما يتيسر من طرق حديثة للوقوف على أحوالهم والاطمئنان على صحتهم، وهذا هو المقصود بالصلة، وهو أن يكون تواصل بين الأرحام، وقد يكون التواصل بالمال للفقير، وبالعيادة للمريض، وبالزيارة البدنية لصاحب المنزلة الكبيرة في درجة الرحم، وقد يكون بالاتصال بهم بالهاتف، أو بالمراسلة عن طريق الجوال، أو بالبريد العادي، أو بالبريد الإلكتروني، أو بالدائرة التلفزيونية، وبكل ما يجعل الصلة قائمة بين أولي الأرحام، ومعه تكون النصائح والتوجيهات والمواعظ لمن عنده تقصير في دينه، وتكون الإعانة لمن يوقف على احتياجه لمال أو خدمة أو شفاعة.
بل إننا نقول مطمئنين إن كل مناسبة يجتمع فيه الرحم والأقرباء – كاجتماع لفرح أو عزاء أو مناسبة مباحة -: فإن لقاء الرحم والقرابة فيها يُعد من الصلة، ففيها يكون اللقاء والمصافحة والسلام والكلام، وهذا من أعلى درجات الصلة البدنية.
ولا يشك عاقل أنه لا ينبغي التشديد في جانب صلة الرحم بتعيين الزيارة البدنية؛ فإن هذا تكليف بما لا يُستطاع عند كثير من الناس ممن له رحم بأعداد كبيرة، ومع ضيق أوقات الناس، وقلة ذات اليد، ولذا لم نرَ أحداً من أهل العلم يوجب هذا في صلة الرحم فتعين القول بما قلناه وأن أي وسيلة تربط الإنسان برحمه فتعد من صلة الرحم، مع التنبيه على اختلاف درجات الرحم، وأن القريب منها كالأخ والأخت لا ينبغي إطالة المدة عن اللقاء البدني، بخلاف غيرهم من البعيدين.
وهذه بعض أقوال العلماء في تأييد ما سبق وقلناه، وأن ما يسأل عنه الأخ السائل داخل في صلة الرحم.
- * قال النووي رحمه الله:
صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة تكون بالزيارة، والسلام، وغير ذلك.
” شرح مسلم ” ( 2 / 201 ).
- * وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قال القرطبي: الرحِم التي توصَل عامة وخاصة، فالعامة: رحِم الدِّين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة.
وأما الرحم الخاصة: فتزيد للنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم.
” فتح الباري ” ( 10 / 418 ).
3.* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل تجوز صلة الرحِم عبر التلفون؟.
فأجاب:
نعم، هذا من صلة الرحم، المكالمة الهاتفية، والمكاتبة بالقلم: كلها من الصلة، كونه يكتب إليه، إلى أخيه، أو عمه، أو قريبه، يسأله عن صحته وعن حاله، أو يكلمه بالهاتف: كله طيب، كله من الصلة.
” نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 419 ).
ونوصي الأخ السائل أن تشتمل رسائله لأرحامه على وصايا، ونصائح، ومواعظ، وأحكام؛ لعله يستفيد منها أحد فيترك معصية، أو يلتزم طاعة، أو يرفع جهلًا عن نفسه، أو ينشر علمًا لغيره، فيكون لصلته لأرحامه معانٍ وآثار مفتقَدة عند كثيرين.
والله أعلم.


