حكم الاستعاذة قبل التسمية في الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال
السؤال
ما حكم الاستعاذة مع البسملة قبل الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال؟ هل تعتبر من البدع في الدين لمخالفة السنَّة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ثمة فرق – على الأصح – بين ” البسملة ” و ” التسمية “، والذي أراده الأخ السائل هو الثاني لا الأول؛ لأن البسملة هي نحت لجملة ” بسم الله الرحمن الرحيم “، وأما ” التسمية ” فهي اختصار جملة ” بسم الله “، وبينهما فرق في اللفظ ومحل القول، فالبسملة تقال في أول قراءة القرآن وخاصة عند بداية قراءة السورة من أولها بعد الاستعاذة، والتسمية هي ما يكون في الذبح والصيد والأكل والشرب والوضوء والجماع، وغيرها كثير.
والتقدير في التسمية على الأكل – مثلًا – ” بسم الله آكل “، وهكذا في سائر الأمور.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
قول القارئ ” بسم الله ” معناه: بسم الله أقرأ أو أنا قارئ، ولهذا شرعت التسمية في افتتاح الأعمال كلها فيسمَّى الله عند الأكل والشرب ودخول المنزل والخروج منه ودخول المسجد والخروج منه، وغير ذلك من الأفعال، وهي عند الذبح من شعائر التوحيد. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 392 ).
ثانيًا:
ومن الواضح أن سؤال الأخ الفاضل ليس عما شرع الجمع بين التسمية والاستعاذة فيه من أمور، كالاستعاذة قبل البسملة في قراءة القرآن، أو التسمية قبل الاستعاذة في دخول الخلاء، وإنما قصد الأخ السائل ما ثبت فيه التسمية من أعمال هل يُشرع أن تسبق باستعاذة؟.
والجواب عليه: أن هذا مما قال به بعض العلماء، وهو استحسان يخالف النصوص، فلا ينبغي الأخذ ولا العمل به.
فالاستعاذة قبل التسمية في الوضوء قال بها الحنفية والشافعية، والتزم المالكية بما بما ورد ولم يزيدوا عليه شيئًا، ولم يُنقل عن الحنابلة في المسألة شيء، والظاهر التزامهم بالنص من دون زيادة عليه، فقد قال ابن قدامة:
التسمية هي قول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة على الذبيحة وعند أكل الطعام وشرب الشراب فيكون بعد النية لتشمل النية جميع واجباتها وقبل أفعال الطهارة ليكون مسميا على جميعها كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها.
” المغني ” ( 1 / 115 ).
وأما الشافعية والحنفية فلم يعدُ ما قالوه من زيادة الاستعاذة قبل التسمية على الوضوء من كونه استحسانًا، واجتهادًا مقابل النص، وقياسًا لا يستقيم.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 10 ، 11 ):
الاستعاذة للتطهر:
عند الحنفية، قال الطحاوي: يأتي بها قبل التسمية، غير أنه لم يوضح حكمها.
وتستحب الاستعاذة للوضوء سرًّا عند الشافعية قبل التسمية، قال الشرواني: وأن يزيد بعدها: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا، ( رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ).
ولم يثبت عند المالكية من الأذكار في الوضوء إلا التشهدان آخره، والتسمية أوله.
ولم نقف للحنابلة على نص صريح فيها. انتهى.
ثالثًا:
وقد رأينا من الشافعية من وسَّع القول بالاستعاذة قبل التسمية وجعلها في كل ما ثبت فيه التسمية ! مع أن الظاهر أن المذهب لم يلتزم بها إلا في الوضوء.
* قال شمس الدين الرملي – رحمه الله -:
ويسن التعوذ قبلها – أي: قبل التسمية في قراءة الوضوء -.
وتسنُّ – أي: التسمية – لكل أمر ذي بال، عبادة أو غيرها، كغسل وتيمم وتلاوة – ولو من أثناء سورة – وجماع وذبح وخروج من منزل، لا للصلاة والحج والأذكار، وتكره لمكروه، ويظهر – كما قاله الأذرعي – تحريمها لمحرم.
” نهاية المحتاج ” ( 1 / 184 ).
وفي حاشية ” الشبراملسي ” عليه:
وظاهر اقتصارهم في بيان السنَّة على التسمية: أنه لا يُطلب التعوذ قبلها في المذكورات، وقياس ما مرَّ من طلب التعوذ قبل البسملة في الوضوء: طلبها فيما ذُكر!. انتهى
ونقول: هذا قياس على أصل غير صحيح، فليست الاستعاذة بجائزة في الأصل قبل تسمية الوضوء فضلًا أن يصح القياس عليه الاستعاذة في كل ما شُرع له التسمية.
رابعًا:
ومن هنا نقول: إن كل عبادة لم يشرع لها التسمية قبلها: فالتسمية فيها تكون بدعة، وإذا أضيفت الاستعاذة قبل التسمية فيها صارت بدعة مركبة!.
- ومن أمثلة ذلك – مثلًا -: الأذان والإقامة.
* سئل علماء اللجنة الدائمة عن:
التعوذ والبسملة قبل الأذان؟.
فأجابوا:
لا نعلم أصلًا يدل على مشروعية التعوذ والبسملة قبل الأذان، لا بالنسبة للمؤذن، ولا من يسمعه، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) وفي رواية ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 98 ، 99 ).
- ومن أمثلته: الصلاة.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
عندما أبدأ بالصلاة وقبل أن أكبِّر أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم البسملة، ثم أكبِّر، وأعيد هذه الاستعاذة والبسملة بعد التكبير ودعاء الاستفتاح، فهل يصح منِّي هذا، أم أن هذه الطريقة غير صحيحة؟.
فأجاب:
لسنَّة أن تكتفي بالاستعاذة والتسمية بعد التكبير، بعد الاستفتاح عند بدء القراءة، أما الإتيان بالاستعاذة والتسمية أول الصلاة : فما عليه دليل، لكن إذا كبرتِ وأتيتِ بالاستفتاح ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك )، أو باستفتاح آخر من الاستفتاحات الصحيحة: بعدها تقولين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله ثم تقرئين الفاتحة، هذا مشروع، أما أن تأتي بها قبل التكبير: فما لها أصل. ” نور على الدرب ” ( شريط رقم 148 ).
خامسًا:
وإذا كان لا يشرع الزيادة على التسمية بقول ” الرحمن الرحيم ” فمن باب أولى أن لا تزاد الاستعاذة.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وأما قول النووي في أدب الأكل من ” الأذكار “: ” صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنَّة “: فلم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا.
” فتح الباري ” ( 9 / 521 ).
* قال الشيخ الألباني – معقبًا على كلام الحافظ، تحت حديث ( 344 ) ( يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله, وكل بيمينك, وكل مما يليك ) -:
وأقول: لا أفضل من سنَّته صلى الله عليه وسلم ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم )، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا ” بسم الله “: فلا يجوز الزيادة عليها فضلًا عن أن تكون الزيادة أفضل منها! لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث: ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ).
” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 611 ).
وعليه:
- فلعدم ثبوت الاستعاذة قبل التسمية في المواضع التي لم تثبت فيها.
- ولعدم صحة زيادتها قبل التسمية في الوضوء.
- ولأن القياس في العبادات كما ها هنا يعني التشريع.
- ولعدم مشروعية التسمية أصلاً في بعض العبادات.
- ولعدم جواز زيادة ” الرحمن الرحيم ” على ذات التسمية:
فإننا نرى عدم جواز زيادة الاستعاذة قبل التسمية فيما ورد من أعمال شُرعت التسمية قبل البداءة بها، والأقرب إلى قواعد الشرع عدُّ ذلك من البدع المذمومة.
والله أعلم.


