حكم الدعاء والثناء بأبيات شعرية في القنوت مع ذِكر لبعض أخطاء الداعين

السؤال

استمعت لتسجيل لدعاء القنوت لأحد الأئمة، وكان يدعو بعض الأبيات الشعرية أثناء القنوت مثل:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع *** أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها *** يا من إليه المشتكى والمفزع

هل هذا الفعل جائز في الصلاة أم يعد كلاماً خارج الصلاة فيبطلها؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب أن المطلع على أحوال أدعية الأئمة في قنوتهم في زماننا هذا يجد خللاً كثيرًا، ومخالفات عظيمة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولو أننا تتبعنا دعاء الأئمة لوجدنا خللا كثيرًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 120 / السؤال 16 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

وقد سَرَت بعض هذه المحدثات إلى بعض قُفاة الأثر، فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد، وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء، والمبالغة في الترنم، والتطريب، والتجويد، والترتيل، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله تعالى، ويستدعي بذلك عواطف المأمومين ليجهشوا بالبكاء.

والتعبد بهذه المحدثات في الإسلام، وهذه البدع الإضافية في الصوت والأداء للذكر والدعاء هي في أصلها من شعائر الجاهلية التي كانوا يظهرونها في المسجد الحرام، كما قال الله تعالى منكرًا عليهم: ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) الأنفال/ 35، المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق بضرب اليد على اليد بحيث يسمع له صوت.

قال الآلوسي رحمه الله تعالى: ” والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية، فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية، يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول قائلهم:

أقال الله صفق لي وغن *** وقل كفرا وسم الكفر ذكرا ” انتهى.

وما يتبعها من الألحان، والتلحين، والترنم، والتطريب، هو مشابهة لما أدخله النصارى من الألحان في الصلوات، ولم يأمرهم بها المسيح، ولا الحواريون، وإنما ابتدعه النصارى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

ولهذا نرى ونسمع في عصرنا الترنم والتلحين في الدعاء من سيما الرافضة والطرقية، فعلى أهل السنة التنبه للتوقي من مشابهتهم.

” تصحيح الدعاء ” ( 83 ، 84 ).

* وقال – رحمه الله -:

إن التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء: منكر عظيم، ينافي الضراعة والابتهال والعبودية، وداعية للرياء والإعجاب وتكثير جمع المعجبين به.

– وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث.

فعلى من وفقه الله تعالى وصار إمامًا للناس في الصلوات وقنت في الوتر: أن يجتهد في تصحيح النية، وأن يلقي الدعاء بصوته المعتاد، بضراعة وابتهال، متخلصًا مما ذكر، مجتنبًا هذه التكلفات الصارفة لقلبه عن التعلق بربه

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ).

ثانيًا:

ومن المخالفات مما نراه في أدعية القنوت : السجع المتكلَّف، والعبارات المنمقة المحضَّرة، مع رفع وخفض في الصوت لأجل الإثارة ولفت النظر.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم، … .

ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنَّة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام.

وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم بيانه في ” البقرة “.

” تفسير القرطبي ” ( 7 / 226 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

يُجْتَنَبُ جلب أدعية مخترعة، لا أصل لها، فيها إغراب في صيغتها وسجعها وتكلفها؛ حتى إن الإمام ليتكلف حفظها، ويتصيدها تصيدًا، ولذا يكثر غلطه في إلقائه، ومع ذلك تراه يلتزمها، ويتخذها شعارًا، وكأنما أحيا سنَّة هجرتها الأمَّة

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ، 470 ).

* وقال – رحمه الله -:

ويُجْتَنَبُ قصد السجع في الدعاء، والبحث عن غرائب الأدعية المسجوعة على حرف واحد.

وقد ثبت في ” صحيح البخاري ” رحمه الله تعالى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال له: ” فانظر السجع في الدعاء، فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب “.

ومن الأدعية المخترعة المسجوعة: ” اللهم ارحمنا فوق الأرض، وارحمنا تحت الأرض، وارحمنا يوم العرض “.

ولا يرد على ذلك ما جاء في بعض الأدعية النبوية من ألفاظ متوالية، فهي غير مقصودة، ولا متكلفة؛ ولهذا فهي في غاية الانسجام.

” تصحيح الدعاء ” ( ص 472 ).

ثالثًا:

والجواب عن الدعاء بـ ” الشِّعر ” هو الجواب عن ” السجع “، وهو على وجهين:

  1. فما كان منه متكلَّفًا مخترعًا لأجل الدعاء: فهو ممنوع.
  2. وما كان منه خارجًا من غير تكلف، أو كان ضمن أبيات من الشعر فيها ذِكر ثناء على الله أو ذِكر أشياء مباحة الذِّكر: فهو جائز.

* قال النووي – رحمه الله -:

قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ): هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا: فلا بأس به، بل هو حسن.

” شرح مسلم ” ( 17 / 41 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع، وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف: فلا بأس به؛ فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 489 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة.

” فتح الباري ” ( 11 / 139 ).

وحكم الشعر في الأصل حكم الكلام، قال الشافعي رحمه الله: ” الشِّعر كلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ” كما في كتابه ” الأم ” ( 6 / 224 ).

ومما استُدل به على الوجه الجائز من الدعاء بالشعر:

عن الْبَرَاءِ بنِ عازب قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:

اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا   وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا    وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا   وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

رواه البخاري ( 3880 ) ومسلم ( 1803 ).

ولم يُقصد – كما هو واضح – أن يُدعى الله بهذا الشعر، بل كان للتخفيف عن النفس، وتشجيعها على العمل، ومن أجل الترويح عنها، وقد اشتمل الشعر على دعاء، فلم يكن هو مقصوداً لذاته ولا كان هذا في الصلاة.

وقد بوَّب البخاري على الحديث بقوله ” باب الرَّجَز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الرجَز بفتح الراء والجيم والزاي: من بحور الشعر على الصحيح، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم، وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشِعر غيره. ” فتح الباري ” ( 6 / 161 ).

والذي يظهر لنا أنه ثمة فرق بين الشعر ثناءً والشعر دعاءً، وأنه يجوز الثناء الله بكل ما هو جميل وجليل من الألفاظ ولو كانت شعرًا يحمل معانٍ جليلة في حق الله تعالى، وأما الدعاء فليكن من القلب وبغير سجع ولا تكلف، وهذا الذي نقوله روي عن شيخ الإسلام ابن تيمية من فعله، قال تلميذه ابن كثير رحمه الله – في ذِكر روائع من أشعار المتنبي -:

ومنها قوله:

يا من ألوذ به فيما أؤمِّله * ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظمًا أنت جابره

وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ، ويقول : إنما يصلح هذا لجناب الله سبحانه وتعالى.

وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم رحمه الله أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلتُ هذين البيتين في السجود أدعو لله بما تضمناه من الذل والخضوع.  ” البداية والنهاية ” ( 11 / 292 ).

فشيخ الإسلام رحمه الله هنا أنشد شعر غيره مما رأى فيه تعظيمًا لربه تعالى، ثم جعل الدعاء منه هو، فنرى تنزيه الصلاة عن الشعر مطلقًا وإن كان لا بدَّ: فليكن مما فيه ثناء على الله دون غيره.

والخلاصة:

  1. ينبغي على الأئمة أن يتقوا الله تعالى في أدعية قنوتهم وأن لا يقعوا في مخالفات للشرع.
  2. وعليهم الابتعاد عن السجع المتكلف والتمطيط والتلحين والصراخ.
  3. يجوز استعمال ما فيه ثناء على الله من الشِّعر والرجَز، على أن يُجتنب هذا في الصلاة.
  4. لا يجوز الدعاء بالشِّعر الصرف وحده، وينبغي تنزيه الصلاة عن الشِّعر.
  5. والأهم: أن على الأئمة أن يُخلصوا النية لله تعالى، فالدعاء عبادة، ولا ينبغي أن يكون دعاؤهم في الصلاة جماعة على خلاف ما يدعون ربهم به في خلواتهم وسجودهم؛ فإن الاختلاف في هذا علامة على عدم الإخلاص وعلى أن الحرص على ثناء الناس هو المقصود بذلك اللون من الأدعية.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة