حكم ختمة القرآن في قيام رمضان، وما يحدث في الختمات من مخالفات
السؤال
ما حكم المسابقة على ختم القرآن الكريم في شهر رمضان؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
شهر رمضان هو شهر القرآن، بدأ إنزال القرآن فيه، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن – رواه البخاري ( 5 ) ومسلم ( 4268 ) -، وكان السلف الصالح لهم حال خاص مع كتاب الله تعالى يتلونه، ويتدارسونه، ويختمونه في الصلاة وخارجها.
ثانيًا:
وليُعلم أنه ليس ثمة سنة صحيحة صريحة في استحباب ختم الأئمة للقرآن في صلاة قيام رمضان، بل الاستحباب أن يكون من المسلم حرص على ختم القرآن خارج الصلاة.
* سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -:
هل من السنة المواظبة على ختم القرآن في التراويح؟.
فأجاب:
المقصود: ختم القرآن في رمضان، لكن ليس المقصود ختمه في الصلاة، ودعاء ختم القرآن مخترع، وتخصيصه بوتر آخر رمضان لم يرد، وتراجع رسالة الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ” ( ص 621 ).
* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
حرص بعض الأئمة على ختم القرآن في التراويح هل هو بدعة أم سنَّة؟.
فأجاب:
لا أعلمه سنَّة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ جميع القرآن في صلاة التراويح من أجل أن يُسمع المأمومين كل القرآن، ويستحب أن يختم ختمة في كل رمضان.
” جلسات رمضانية “( الدرس رقم 20 ، السؤال 12 ).
وختم القرآن من الإمام في قيام رمضان عمل حسن، فيه إسماع الناس كتاب الله تعالى، لكن لا ينبغي نسبة الفعل لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أنه واجب أو مستحب.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ولم أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي التي قام فيها بالناس أنه ختم القرآن كله، ولكنَّ كثيرًا من أهل الفقه رحمهم الله قالوا: ينبغي للإمام أن يختم القرآن كله في هذا القيام ليَسمع المصلون جميع القرآن الذي كان ابتداء إنزاله في هذا الشهر المبارك، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله، أما السنَّة: فلا أعلم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكمل بهم القرآن. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 159 ).
وقد كان من جرَّاء هذا الفهم الخطأ الوقوع في مخالفات كثيرة، منها:
- الخلل في النية من الإمام والتنافس غير الشريف من الناس في مساجدهم.
وهو مشاهد من خلال التفاخر بإنهاء بعضهم لأكثر من ختمة في شهر رمضان، أو من خلال التفاخر بإنهائها قبل غيره، أو بما يُعرف بـ ” دعاء ختمة فلان ” وما يحصل فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة، والمطلع يعرف أحوال المصلين وما يحصل بينهم من خلاف وتنازع في ختمات مساجدهم وأدعية أئمتهم، مما يسبب عداوة وبغضاء.
- الإسراع في القراءة وعدم التدبر والتأني في القراءة.
عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ ). مسند أحمد م/50 مؤسسة الرسالة – (24 / 288) وصححه المحققون.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
فقوله: ( لا تغلو فيه ) أي: لا تُبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة؛ فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا، ولهذا قابله بقول: ( ولا تجفوا عنه ) أي: لا تتركوا تلاوته.
” فضائل القرآن ” ( ص 256 ).
* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – تعليقًا على حديث مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان -:
ويمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة؛ لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن، وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجباً لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة، بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 333 ) و ( 15 / 325 ، 326 ).
- قراءة تتمة الختمة في صلوات الفرائض.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
من الشيء الذي ينكر أن بعض الأئمة يقرأ القرآن كلَّه لكن يوزعه! يقرأ به في الفرائض، يعني: يقرأ من قراءته في التراويح في الفرائض، فيكون هنا لا أَسمَعَ الجماعة ولا خَتم بهم القرآن، وهو تصرفٌ ليس عليه دليل، فالأولى: أن يقرأ بما تيسر، وأن لا تحمله قراءته على أن يسرع إسراعاً يجعل القرآن هذّاً فيبقى القرآن ليس له طعم ولا لذة ويكون ليس همُّ الإمام إلا أن ( يُنهي ) ما كان مقررًا قراءته.
” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).
- قراءة تتمة الختمة في صلاة الوتر.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وإنني أنبِّه على مسألة يفعلها بعض الأئمة، وهي: أن بعض الأئمة يقرأ القرآن في التراويح – سواء كانت ثمان ركعات أو عشر ركعات – ثم يقرأ في الوتر من قراءة التراويح! زعمًا منه أنه يريد المحافظة على أن يختم القرآن بالجماعة، ولكنه فعل شيئاً وترك سنَّة، السنَّة: أن يقرأ الإنسان بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) في الركعة الأولى، وبسورة ( قل يا أيها الكافرون ) في الثانية، وبـ ( قل هو الله أحد ) في الثالثة.
وختمة القرآن إن تمكنتَ منها: فحسَن، وإن لم تتمكن : فليست بواجبة، وليست بسنَّة أيضًا.
السنَّة: أن تقرأ في الوتر بهذه السور الثلاث، ولا تخرِم، يعني: لا تتركها، اللهم إلا أحيانا حتى لا يظن العامَّة أن قراءتها فرض.
” فتاوى الحرم المكي ” ( عام 1412 هـ ، شريط رقم 1 ).
- قراءة تتمة الختمة وحده خارج الصلوات.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
بعض الأئمة لم يتيسر لهم ختم القرآن في قيام رمضان فلجأ بعضهم إلى القراءة خارج الصلاة حتى يستطيع أن يختم القرآن ليلة تسع وعشرين، فهل لذلك أصل في الشرع المطهر؟ جزاكم الله خيرًا.
فأجاب:
لا أعلم لهذا أصلًا، والسنَّة للإمام أن يسمع المأمومين في قيام رمضان القرآن كله إذا تيسر له ذلك من غير مشقة عليهم، فإن لم يتيسر ذلك فلا حرج وإن لم يختمه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أخرجه مسلم في صحيحه. ” فتاوى الشيخ ابن باز”( 30 / 33، 34).
وقد سبق منا التعليق على سنية ختمة الإمام للقرآن بالناس، وأن ذلك لم يثبت في حديث مرفوع، بل قد نفى ذلك الإمام مالك ووافقه ابن العربي – وسبق النقل عن * الشيخين عبد الرزاق عفيفي والعثيمين – رحمهما الله -.
* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:
وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.
” أحكام القرآن ” ( 8 / 168 ).
وعلَّق عليه القرطبي رحمه الله – بعد أن نقله عنه – فقال:
قلت : هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنَّة.
” تفسير القرطبي ” ( 20 / 248 ).
وكل ما سبق – وقد يوجد غيره – سبَّبه الخطأ في جعل الختمة في الصلاة سنَّة، وفي الاستعجال والمسابقة فيها.
ووصايا العلماء واضحة وبينة في وجوب ترك هذه المسابقة والإسراع في القراءة، وأن على الإمام قراءة ما تيسر من القرآن بتأني وطمأنينة، وإذا وجد عزمًا في نفسه وعدم مشقة على الناس فلا بأس بقراءة القرآن كاملًا من غير اعتقاد أنه سنَّة، ومن غير الوقوع فيما سبق ذِكره من مخالفات شرعية.
والله أعلم.


