مَن صلَّى أول الليل في مسجد وآخره في آخر هل يحصل أجر قيام ليلة؟
السؤال
عندي دوام يبدأ الساعة التاسعة والنصف ليلًا، فأصلي التراويح في مسجد بالحي المجاور حيث ينتهي قبل بداية الدوام لكي أحصل على أجر قيام ليلة كما في الحديث، فهل أحصل على هذا الأجر عندما أصلي في العشر الأواخر في هذا المسجد القيام الأول ثم أصلي التهجد الأخير في مسجد الحي القريب مني أم لا بد أن يكون مع نفس الإمام أو نفس المسجد؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الصلاة في رمضان يُطلق عليها ” القيام ” و ” التراويح ” و ” التهجد “، وكلها أسماء لمسمَّى واحد، وبعض أهل العلم يرى أن ” التهجد ” لفظ يُطلق على الصلاة آخر الليل أو الصلاة التي يسبقها نوم، ولا يظهر أنه ثمة دليل على هذا، بل الظاهر أنها أسماء لمسمى واحد، وإن كان في الاستعمال يطلق ” التراويح ” على صلاة أول الليل – في رمضان خاصة -، ويُطلق ” التهجد ” على صلاة آخر الليل، ولفظ ” القيام ” يجمع بينهما.
ثانيًا:
وتقسيم صلاة الليل في العشر الأواخر على فترتين أول الليل وآخره: لا حرج فيه، والصلاة فيها على وجهين:
الأول: أن تُختم الصلاة الأولى بصلاة الوتر، فهنا تكون الصلاة كاملة – ولو تعاقب مجموعة من الأئمة على الصلاة نفسها -، ومن أوتر فيها: كُتب له قيام ليلة كاملة، ولا يهم ما يكون بعدها في المسجد من صلوات أخرى، والصحيح: أنه يجوز الرجوع لمن شاء ليصلِّي ما يشاء، وهو الذي يسمَّى ” صلاة التعقيب ” خلافاً لمن كرهه.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
فأما التعقيب وهو أن يصلِّي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة أو يصلِّي التراويح في جماعة أخرى : فعن أحمد أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ” ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشرٍّ يحذرونه “، وكان لا يرى به بأسًا، ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قولٌ قديمٌ والعمل على ما رواه الجماعة، وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل أو إلى آخره لم تكره رواية واحدة وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم.
والصحيح: أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة فلمْ يكره كما لو أخره إلى آخر الليل.
” المغني ” ( 1 / 837 ).
الثاني: أن تقسَّم صلاة التراويح – القيام -ي المسجد الواحد على قسمين فيصلَّى أول الليل جزء منها ويؤخر الجزء الآخر بوتره إلى آخر الليل – ويسمِّي بعضهم الجزء الآخر بـ ” التهجد ” -، فهنا تكون الصلاة واحدة، ومن رام تحصيل أجر قيام ليلة: فلا يسعه إلا الصلاة في المسجد نفسه أول الليل وآخره حتى يوتَر في الصلاة، واختلاف الأئمة على الإمامة غير مؤثر.
* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
صلاة التهجد في آخر الليل في العشر الأواخر من رمضان ليست أمر مستجدّاً، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان يجمع الناس على إمام واحد، فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في رمضان، ويستوي في ذلك ما كان أول الليل أو آخره، كل ذلك يدخل في صلاة التراويح المشروع أداؤها جماعة، غاية ما يقال: إنها قُسِّمت على فترتين طلباً لزيادة الأجر، وكلا الفترتين تراويح، أما تسمية العوام للفترة الأولى بالتراويح والفترة الثانية بالقيام : فهي تسمية ليس فيها حجة. ” البيان لأخطاء بعض الكتاب ” ( ص 291 ).
وليست هذه صلاة التعقيب سابقة الذِّكر؛ لأن صلاة التعقيب ما كانت بعد الوتر، وأما هذه: فوترها مؤخَّر إلى آخرها، فهي صلاة واحدة لكن يطول الفصل بين جزئيها.
والخلاصة:
إن أوترتَ مع إمامك في التراويح كُتب لك قيام ليلة، ولك أن تصلي ما تشاء بعده في آخر الليل من غير وتر آخر، وإن كان المسجد لا يوتر أول الليل – كما هو حال الحرمين – بل يوتر في آخر الليل: فالظاهر أنه لا بدَّ من الصلاتين – في أول الليل وآخره – حتى يُكتب لك قيام ليلة، وصلاة إحداهما لا تكفي لتحصيل ذلك الأجر، وكذا يقال في تغيير المسجد: فمن صلَّى جزء من القيام في مسجد وصلَّى جزء آخر في مسجد آخر: لم يُكتب له قيام ليلة حتى لو كانت الصلاة جميعها في أول الليل أو آخره، فكيف إذا كان بعض الصلاة في أولها في مسجد وبعضها الآخر آخر الليل في مسجد آخر؟! فهذا أولى بعدم تحصيل أجر قيام ليلة.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
مَن قام مع الإمام حتى ينصرف في التراويح وإن لم يصلِّ معه العشاء: يُكتب له قيام تلك الليلة، فإن كان هناك تهجد: فلا بدَّ أن يكون معه في التهجد أيضاً، وإذا ختم التراويح بالوتر فقد انتهى. ” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 56 ) – ترقيم الشاملة -.
* وقال – رحمه الله – أيضًا -:
لو كان قيام الإمام مقدار ساعة فقط من ليلٍ طوله اثني عشرة ساعة : كُتب للإنسان قيام ليلة كاملة، ولهذا ينبغي لنا أن نحرص إذا قمنا مع إمام ألا نفارقه حتى ينصرف، خلافاً لبعض العامة، مساكين، يضيعون أوقاتهم ولياليهم بغير فائدة، يصلُّون مع هذا تسليمة أو تسليمتين، ثم يذهبون إلى مسجدٍ آخر يصلون معه كذلك، ثم مسجد ثالث، وهذا خطأ، إذا دخلت مع إمام في صلاة العشاء: اثبت حتى ينصرف من التراويح من أجل أن يُكتب لك قيام ليلة، وأنت نائم على فراشك، وأنت تلهو مع أهلك يكتب لك القيام، ولله الحمد. ” اللقاء الشهري ” ( اللقاء رقم 33 ).
والله أعلم.


