هل نرفع اليدين في قنوت الوتر عند الثناء الله تعالى أم فقط في حال الطلب؟
السؤال
نلاحظ بعض الناس في دعاء القنوت لا يرفع يديه في بداية القنوت ( عند الثناء على الله ) حتى يبدأ الإمام بالدعاء.
هل في ذلك دليل أم أن الصحيح أن نرفع أيدينا في بداية القنوت؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
منع بعض العلماء من القنوت في الوتر، والصواب: ثبوت ذلك؛ لفعل بعض كبار الصحابة الأجلاء له في رمضان.
* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:
عن الأسود صحبتُ عمرَ – يعني: ابن الخطاب – ستة أشهر، فكان يقنت في الوتر.
وكان عبد الله – يعني: ابن مسعود – يقنت في الوتر السنة كلها.
وعن علي – يعني: ابن أبي طالب -: أنه كان يقنت في رمضان كله، وفي غير رمضان في الوتر. ” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 314 ).
* وقال البيهقي – رحمه الله -:
إن عددًا من الصحابة رضي الله عنهم رفعوا أيديهم في القنوت، مع ما رويناه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم . ” السنن الكبرى ” ( 2 / 211 ).
ومنع بعض من أجاز القنوت من رفع اليدين فيه، ولكنَّ الصواب: أن الرفع في الوتر صحيح ثابت، إما بالقياس الصحيح على قنوت النوازل أو بفعل الصحابة الأجلاء له.
* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:
سئل أحمد عن القنوت، في الوتر قبل الركوع أم بعده؟ وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر، فقال: القنوت بعد الركوع، ويرفع يديه؛ وذلك على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الغداة.
وبذلك قال أبو أيوب، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، رحمهم الله.
” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 318 ).
وهو قول علماء اللجنة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ العثيمين.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
رفع اليدين حال الدعاء في دعاء القنوت وغيره: سنَّة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 73 ).
* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
يشرع رفع اليدين في قنوت الوتر؛ لأنه من جنس القنوت في النوازل، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه حين دعائه في قنوت النوازل، خرَّجه البيهقي رحمه الله بإسناد صحيح .” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 51 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
نعم, من السنَّة أن يرفع الإنسان يديه عند دعاء القنوت؛ لأن ذلك وارد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قنوته حين كان يقنت في الفرائض عند النوازل، وكذلك صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع اليدين في قنوت الوتر، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم.
فرفع اليدين عند قنوت الوتر سنَّة، سواء كان إماماً، أو مأمومًا، أو منفردًا، فكلما قنتَّ: فارفع يديك. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 14 / 136 ، 137 ).
ثانيًا:
والذي يظهر لنا أن رفع اليدين في قنوت الوتر يبدأ من أول الدعاء، ومن السنة البداءة بالثناء قبل الشروع في الدعاء، ولا نرى لمن خفض يديه عند الثناء أو لمن بدأ برفعهما عند الشروع بالدعاء وجهًا، ولا نرى تضادًّا بين رفع اليدين مع الثناء، ويمكن الاستدلال على الجواز من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
ثبوت الرفع نصّاً في الثناء على الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أفقه أصحابه:
- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ – وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم قَالَ : كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا فَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في كُسُوفِ الشَّمْسِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِى الصَّلاَةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا. رواه مسلم ( 913 ).
- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ وَيَؤُمَّهُمْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ لِيُؤْذِنُوهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَابَهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِمْ فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ كَمَا أَنْتَفَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ مَا ( بَالُكُمْ صَفَّحْتُمْ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ ) ثُمَّ قَالَ ( إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَسَبِّحُوا ). رواه النسائي في ” سننه ” ( 1183 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “. وبوَّب عليه النسائي رحمه الله بقوله :” بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ “.
* قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:
الحديث دالٌّ على ما ترجم له المصنِّف، من جهة رفع اليدين، وحمد الله والثناء عليه في الصلاة. ” شرح سنن النسائي ” ( شريط رقم 239 ).
الوجه الثاني:
أنه قد ثبت في السنَّة الصحيحة أدعية لا بصيغة الطلب بل بصيغة الثناء والذِّكر، وهي في الحقيقة أدعية عند تأمل حقيقتها، ومما ورد في ذلك:
أ. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ ). رواه الترمذي (3383 ) – وحسَّنه -، وابن ماجه ( 3800 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي”.
* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:
وأما قوله في حديث جابر ( أفضل الدعاء الحمد لله ): فإن الذِّكر كله دعاء عند العلماء. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 6 / 43 ).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
الثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث – وساق حديث جابر – فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن حصول مطلوبة قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل: إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا * * * كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 22 / 381 ، 382 ).
ب. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ ( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ). رواه البخاري ( 5985 ) ومسلم ( 2730 ).
ج. عَنْ سَعْد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ).
رواه الترمذي ( 3505 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كرْبه بالتوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها. ” الفوائد ” ( ص 53 ).
والوجه الثالث:
أن الثناء على الله تعالى في أول الدعاء هو جزء منه لا أجنبي عنه.
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ ). رواه الترمذي ( 3477 ) وصححه، وأبو داود ( 1481) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” . ومعنى ( صلَّى ) أي: دعا.
وكيف يفعل المانعون من رفع اليدين في الثناء على الله تعالى لو كان هذا الثناء في وسط الدعاء؟! فقد جاء في وسط دعاء الاستخارة ( فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب ) فهل تُنزل الأيدي في وسط هذا الدعاء وتُرفع في أوله وفي آخره؟!.
وبه يتبين: أن الثناء على الله تعالى يتضمن الدعاء، بل هو أبلغ منه من وجوه كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية – انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 376 – 389 ) – ومنها أن الدعاء يكون من الكافر والمؤمن وأما الثناء فلا يكون إلا من المؤمن، وقد سبق في الأحاديث إطلاق الدعاء على الذِّكر وعلى الثناء على الله تعالى.
وبه يُعلم أنه لا وجه لعدم رفع اليدين في أول الدعاء عند الثناء؛ لأن الثناء على الله في أول الدعاء هو جزء من الدعاء، بل قد ذكرنا عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه رفع يديه في الثناء وحده.
والله أعلم.


