هل يجوز الصلاة في غرفة خُصصت لأتباع الأديان جميعًا وليس فيها شعارات دينية؟!

السؤال

أنا طالب في إحدى الجامعات الألمانية، وقد حظينا بغرفة للصلاة وأداء الجمعة والجماعة في مقر السكن الطلابي، ولكن ذلك يبعد حوالي عشر دقائق من الجامعة، لذلك فقد اعتاد الطلاب المسلمون أن يصلّوا صلواتهم منفردين في بعض الغرف الفارغة أو خلف مبنى الكلية حيث يوجد مكان مناسب لذلك.

وفي محاولة لتسهيل أداء الصلاة في جماعة وتخصيص مكان لذلك داخل الجامعة نفسها: قامت رابطة الطلاب المسلمين داخل الجامعة بتقديم طلب لتزويدنا بغرفة لهذا الغرض، ولكن الجامعة رأت أنه لا يمكن أن تعطينا مكاناً آخر، وهي قد أعطتنا ذلك المصلَّى في السكن، ولكن تجاوبًا مع طلبنا قامت الجامعة بالسماح لنا بالصلاة في إحدى الغرف الهادئة والتي يستخدمها معظم الطلاب من مختلف الديانات، وقد حرصت الجامعة أن لا يوجد في هذه الغرفة أي رمز من رموز الديانات مثل الصلبان والأصنام … الخ، وقد توقعنا أن هذه الغرفة لن يستخدمها أحد بمجرد بدء استخدامنا لها كمصلى، وبالفعل كان توقعنا في محله، وقد بدأ الطلاب المسلمون – والذين قوامهم في بعض الأحيان يصل إلى حوالي ( 20 ) طالبًا – بأداء الصلاة في جماعة بانتظام ولله الحمد، إلا أن هناك إشكالًا صغيرًا، فهناك بعض الكتب المقدسة للمسيحين في هذه الغرفة، ولكنَّ أحدًا لا يلقي لها بالًا.

السؤال هو: هل تجوز الصلاة في هذه الغرفة والحالة هذه؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا حرج عليكم أن تصلوا في هذه الغرفة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، بل هو واجب عليكم، وليس يتيسر الأمر في تلك الديار كما يتيسر في بلاد المسلمين من وجود مساجد وجوامع تقام فيها الجمعة والجماعة، وعليه : فتكون تلك الغرفة هي مسجدكم.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

نعمل بمصفاة ” بترومين ” بالرياض، وعملنا ورديات حيث ننقسم إلى أربع مجموعات، وكل مجموعة توافق صلاة الجمعة في الشهر مرة واحدة داخل المصفاة، ويوجد عندنا مصلى داخل غرفة التحكم بالأجهزة، وإذا حان وقت صلاة الجمعة نصليها جمعة، مع أن عددنا يتراوح بين ( 13 إلى  15 ) موظفاً، فهل تصح صلاة الجمعة منَّا؟ حيث إننا لا نستطيع الخروج لظروف العمل مع العلم أننا نسكن في مدينة ” الرياض “، نرجو إفتاءنا بذلك.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكر فإنكم تصلون جمعة في محل عملكم؛ لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 194 ، 195 ).

ثانيًا:

ولا يمنع وجود بعض الكتب للديانة النصرانية أو غيرها من إقامة صلاة الجمعة والجماعة في تلك الغرفة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا تمكن المسلمون من تخصيص محل لهم يجعلونه مسجداً ولا يكون في بناء مشترك مع أتباع الأديان الأخرى: تعيَّن عليهم ذلك، وإلا فيعبدون الله في المكان الذي يمكنهم، ولو كانوا هم وأتباع الأديان الأخرى تحت سقف واحد، سواء كان محجوزًا أو غير محجوز؛ لقوله سبحانه: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 80 ، 81 ).

وبما أنه ليس في تلك الغرفة تماثيل ولا أصنام بل ولا صلبان: فالأمر حينئذٍ لا يدعو للقلق من جهة الصلاة فيها، وإذا كانت الصلاة في الكنيسة التي تخلو من التماثيل والأصنام جائزة: فهذه الغرفة الخالية من شعارات الأديان جميعها أولى.

وعليه: فلو جاء النصارى لهذه الغرفة وصلَّوا صلاتهم فيها: لم يكن ذلك بمانعكم من إقامة صلاة الجمعة وباقي الصلوات، وليس ثمة مشابهة في صورة الفعل بين صلاتنا وصلاة غيرنا لذا فإنه لا يقع اشتباه عند من يرى كلينا يصلي في تلك الغرفة، وهذا الملحظ الدقيق جعل الصلاة في الكنيسة جائزة، وجعل من الصلاة في مسجد المنافقين مسجد ” الضّرار ” غير جائزة.

* قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

لكن هنا إيراد: وهو أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، وقد صلَّى عمر رضي الله عنه في كنيسة ” بيت المقدس “، ومن الصحابة رضوان الله عليهم من صلَّى في كنائس بعض البلاد، فصلاتهم في الكنائس لله جل وعلا أليست مشابهة للصلاة في مسجد ” الضرار ” أو للذبح في مكان يذبح فيه لغير الله؟.

الجواب: أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛ ذلك لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، وعن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله إنما هو: لأن صورة العبادة واحدة؛ فصورة الذبح من الموحد، ومن المشرك واحدة، وهي إمرار السكين وهي: آلة الذبح على الموضع من البهيمة المراد ذبحها، وإهراق دمها في ذلك المكان، والصورة الحاصلة من الموحد ومن المشرك واحدة، ولهذا فإنه لا تمييز بين الصورتين – من حيث الظاهر – وإن اختلفت مقاصدهما فكذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مسجد الضرار فيها مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين، فرجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب؛ والنيات، ومقاصد القلوب مما تخفى على الناس، ولهذا تقع المفسدة من حيث اشتباه الصورة الظاهرة، ولا يحصل بذلك الفعل ولو مع خلوص النية مصلحة.

وأما الصلاة في الكنيسة، فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى فليس في فعله إغراء بصلاة النصارى، ومشاركتهم فيها، فهذا هو الفرق بين المسألتين، وهو واضح بأدنى تأمل.

” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 137 ، 138 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة