هل يجوز أن نقول ” لاتنس الله فينساك “؟
السؤال
أريد معرفة هل قول ” لا تنس الله فينساك ” حرام أم حلال؟ وأريد الشرح؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
يأتي ” النسيان ” ويُراد به ” الذهول عن الشيء ” وهو هنا ضد التذكُّر، ويأتي ويراد به ” الترك ” وهو هنا ضد الفعل.
والأول نقص، ولذا كان منفيًّا عن الله تعالى، والثاني مثبت لله تعالى وليس نقصًا.
ثانيًا:
والنسيان على المعنى الثاني الثابت من أفعال الله تعالى وهو الترك: إنما كان جزاء وفاقًا على ترك المنافقين والكفار لشرع الله تعالى، فالمنافقون تركوا الالتزام في باطنهم بالشرع فتركهم الله في ظلمة الكفر وسيتركهم في ظلمةٍ عند الصراط.
قال تعالى ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) التوبة/ 67.
وقال تعالى ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) البقرة/ 17.
والكفار تركوا الاستجابة لرسل الله تعالى فتركهم الله في ظلمة الجهل والكفر.
وكلا الفريقين سيتركهم في جهنم يوم القيامة خالدين فيها أبدًا.
قال تعالى ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) السجدة/ 14.
وقال تعالى ( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الأعراف/ 50 ، 51.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار.
وقال السُّدِّي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 425 ).
وروى مسلم ( 2968 ) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فَيَلْقَى ( الله تعالى ) الْعَبْدَ فَيَقُولُ : أَي فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ).
( أي فل ) معناه يا فلان.
( أسودك ) أي: أجعلك سيِّدًا على غيرك.
( تربع ) أي: تركتك مستريحًا لا تحتاج إلى مشقة وتعب.
وعليه:
فقول القائل ” لا تنس الله فينساك “: قول صحيح، ووعيد شرعي، ومعنى ” لا تنس الله ” أي: لا تترك حق الله، ولا تترك ما أمرك الله تعالى به، ومعنى ” ينساك ” أي: يتركك في غيِّك في الدنيا عقوبة على فعلك، ويتركك في العذاب يوم القيامة، فإن كانت معصية العبد دون الكفر المخرج من الملة: كان تركاً لأمَد، وإن كانت معصيته كفرًا مخرجًا عن الملة ومات عليه: كان تركًا للأبد.
ويؤيد ما قلناه من الجواز: قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) الحشر/ 19.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
( نَسُوا اللَّهَ ) أي: تركوا أمره.
( فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) أن يعملوا لها خيرًا.
” تفسير القرطبي ” ( 18 / 43 ).
* وقال ابن القيم – رحمه الله -:
فمن نسي الله تعالى: أنساه نفسه في الدنيا، ونسيه في العذاب يوم القيامة، قال تعالى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) طه/ 124 – 126 ، أي: تُنسى في العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها، وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذِّكر الذي أنزله، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه، وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعَمِه، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى.
” الوابل الصيب ” ( ص 67 ).
والله أعلم.


