ترك الأركان والواجبات والمستحبات في الصلاة وأثر ذلك في الإعادة وفي سجود السهو
السؤال
إذا كان شخص يخطئ في أذكار هي فروض في الصلاة مثل الذِّكر في الجلوس بين السجدتين والتشهد – النصف الأول منه – فما حكم صلاته إن كان ناسيًا أو إن كان جاهلًا؟ وما حال الصلوات السابقة التي بها هذا الخطأ وحال إعادتها؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أ. الذِّكر الذي بين السجدتين ليس واجباً فضلًا أن يكون فرضًا في الصلاة، بل هو مستحب، على الصحيح من أقوال العلماء، وهو مذهب جمهورهم.
وعليه: فمن ترك الذِّكر الذي بين السجدتين عمدًا: فلا تبطل صلاته، وإن تركه جهلًا: فلا شيء عليه، وإن تركه نسيانًا وكان من عادته أنه يفعله: فيسجد سجدتي سهو قبل السلام استحبابًا لا وجوبًا.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
الإِنسان إذا تَرَكَ شيئًا من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسيانًا وكان من عادته أن يفعله: فإنه يُشرع أن يسجد جَبْرًا لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث ( لكلِّ سهو سجدتان ) – رواه أبو داود وهو حديث حسن -، وفي ” صحيح مسلم ” ( إذا نسيَ أحدُكم فَلْيَسْجُدْ سَجدتين ) فإن هذا عام، أما إذا تَرَكَ سُنَّة ليس من عادته أن يفعلها: فهذا لا يُسَنُّ له السُّجود؛ لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 333 ، 334 ).
ب. والتشهد الأول واجب من واجبات الصلاة وليس من فروضها.
وهذا الواجب من تركه عمدًا: بطلت صلاته، وعليه إعادتها حتى لو خرج وقتها لأنها باقية في ذمته، ومن تركه نسيانًا حتى تلبس بركنٍ بعده: فلا يؤمر به، ويسجد للسهو قبل السلام، ومن ترك الواجب جهلًا بحكمه: فلا شيء عليه؛ لأن الجاهل معذور في ترك الواجبات والمستحبات من حيث الإثم ومن حيث الحكم، فليس عليه إعادة للصلاة.
ثانيًا:
والدليل على سقوطِ الواجبِ بالنسيان وعدم بطلان الصلاة به وجبرانه بسجود السهو قبل السلام: ما رواه البخاري ( 795 ) ومسلم ( 570 ) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ بُحَيْنَةَ رضيَ الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
النوع الثاني: ترك واجبٍ غير ركن عمداً كالتكبير – غير تكبيرة الإحرام – وتسبيح الركوع والسجود: بطلت صلاته إن قلنا بوجوبه، وإن تركه سهوًا: سجد للسهو قبل السلام؛ لما روى عبد الله بن مالك ابن بحينة ( فذكر الحديث ) فثبت هذا بالخبر، وقسنا عليه سائر الواجبات. ” الكافي ” ( 1 / 273 ).
وبما ذكرناه يتبين الفرق بين الواجبات والأركان، فالأركان لا تسقط بالنسيان ولا تُجبر بسجود السهو، بل لا بدَّ من الإتيان بها، والجهل بها لا يُعذر صاحبه بتركها، فإن كان علم الحكم في الوقت: فيُلزم بإعادة الصلاة دون إعادة ما مضى من الصلوات، كما جاء في حديث ” المسيء في صلاته ” حيث أمره صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة التي رآه ترك ركن الطمأنينة فيها ولم يأمره بإعادة ما سبق من الصلوات مما فات وقتها، وأما الواجبات: فتشترك مع الأركان في بطلان الصلاة بتركها عمدًا، وتختلف عنها في أنها تُجبر بسجود السهو لمن تركها نسياناً، والجهل بحكمها أنها واجبة عذرٌ لمن تركها عمداً فتكون صلاته صحيحة.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكنًا: لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجبًا: أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلًا: فلا شيء عليه، فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 315 ، 316 ).
ثالثًا:
لا يخلو مَن ترك واجبًا مِن واجبات الصلاة ناسيًا من أربع حالات:
الحالةُ الأولى: أن يتذكر الواجب المنسي قبل أن يفارق مكان الواجب فإنه يجب عليه أن يأتي به ولا سهو عليه.
الحالة الثانية: أن يتذكر الواجب المنسي بعد مفارقة محله وقبل أن يصل إلى الركن الذي يليه فإنه يرجع ويأتي به ثم يكمل صلاته ولا سهو عليه.
الحالة الثالثة: أن يتذكر الواجب المنسي بعد وصوله إلى الركن الذي يليه فإنه لا يرجع إليه بل يكمل صلاته ويسجد سجود السهو قبل السلام.
الحالة الربعة: أن يتذكر يتذكر الواجب المنسي بعد وصوله إلى الركن وبعد شروعه في الذِّكر الذي فيه، وحكمه كالذي قبله.
ومما يٌستدل به في أكثر تلك المسائل ما رواه الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِي قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلاَ يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ ) رواه داود ( 1036 ) وصحَّحه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
وإن ذكر التشهد قبل انتصابه قائمًا: رجع فأتى به، وإن ذكر بعد شروعه في القراءة: لم يرجع لذلك لأنه تلبس بركن مقصود فلم يرجع إلى واجب، وإن ذكره بعد قيامه وقبل شروعه في القراءة : لم يرجع أيضا لذلك؛ لما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا قام أحدكم في الركعتين … ) ( وذكر الحديث ).
” الكافي ” ( 1 / 273 ).
وهذا الحكم عام في كل واجبات الصلاة، وليس خاصًّا بالتشهد.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فكلُّ مَنْ تَرَكَ واجباً حتى فارق محلَّه إلى الرُّكن الذي يليه: فإنه لا يرجع، ولكن عليه السُّجود لهذا النقص، ويكون السُّجود قبل السَّلام.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 378 ).
والخلاصة:
- مَن ترك مستحبًّا مِن مستحبات الصلاة ناسيًا له: فيستحب له سجود السهو قبل السلام.
- مَن ترك مستحبًّا مِن مستحبات الصلاة جاهلًا بحكمه: فليس عليه إثم ولا يلزمه حكم لا إعادة ولا سجود سهو، ويجب على كل مسلم أن يتعلم أحكام الصلاة، فإن قصَّر في الطلب: يأثم.
- مَن ترك واجبًا مِن واجبات الصلاة ناسيًا له: فإن تلبس بركن بعده فلا يرجع لذلك الواجب، ويجب عليه سجدتي سهو قبل السلام، فإن تذكر بعد الصلاة فلا يعيدها وليسجد للسهو.
- من ترك واجبًا من واجبات الصلاة جاهلًا بحكمه: فليس عليه إثم إلا أن يقصِّر في طلب العلم والتعلم، وليس عليه إعادة للصلاة، وليس عليه سجود سهو.
- من ترك ركنًا من أركان الصلاة ناسيًا له: فصلاته باطلة ويجب عليه إعادتها، وكذا يعيد ما سبق من الصلوات حتى لو خرج وقتها لأن ذمته مشغولة بها.
- من ترك ركنًا من أركان الصلاة جاهلًا بحكمه: فصلاته باطلة ويجب عليه إعادتها إن كان لا يزال في الوقت، ولا يعيد ما سبق من الصلوات مما خرج وقتها.
والله أعلم.


