صام شهرين متتابعين كفارةً ولم يكن يصلي، فهل تلزمه الإعادة بعد أن صار من المصلين؟

السؤال

لقد قمتُ بصيام ستين يومًا وكان عمري ( 18 سنة )، ولكن للأسف لم أصل كل الأيام، هل أعيد الصيام؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

صيام ستين يومًا الوارد ذِكره في السؤال يظهر لنا أن السائل يريد به ” صيام شهرين متتابعين “، والظاهر أن المقصود أنه صامه كفارة عن فعل استحق ذلك، ومن الأفعال التي توجب على المسلم صيام شهرين متتابعين:

  1. جماع الصائم في نهار رمضان.
  2. الظهار من الزوجة.
  3. قتل الخطأ.

ثانيًا:

وينبني حكم صيامك الشهرين المتتابعين من حيث إعادته أو لا على حكم ” ترك الصلاة “، ولا يخفى أنه ثمة خلافًا معتبرًا في هذه المسألة، فمِن قائل بكفر تارك الصلاة كفراً يُخرج عن الملة، ومن قائل إنه ذنب عظيم لا يوجب الردة.

وعلى القول الأول: فيعتبر تارك الصلاة مرتدّا لا يُقبل مِنه فرض ولا نفل ولا فدية ولا كفارة، ولا يصح عقد زواجه على امرأة مسلمة، فإذا صام هذا التارك للصلاة رمضانات كثيرة: لا تُقبل منه، ولو تصدَّق بمبالغ طائلة: لا تنفعه يوم القيامة، فإذا صار من المصلين: فيلزمه الحج مرة أخرى إذا كان حجَّ وهو تارك للصلاة، ويلزمه تجديد النكاح إذا كان قد عقد على مسلمة وهو تارك للصلاة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أما حاله وهو تارك للصلاة: فإنه كافر من جملة الكافرين الخارجين عن الإسلام؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة للخلود في النار كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة وقول السلف رحمهم الله.

وعلى هذا: فإنَّ مَن لا يصلي لا يحل أن يتزوج امرأة من المسلمين، وإذا كان عنده امرأة: فإن نكاحه منها ينفسخ ولا يحل الاستمرار عليه، وإذا كان قد عُقد له النكاح وهو على هذه الحال ثم منّ الله عليه بالتوبة: فإنه يجب أن يجدَّد عقد النكاح له؛ لأن عقد النكاح الأول الذي عقد له وهو لا يصلي: عقد باطل؛ لقوله تعالى ( وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) ولقوله تعالى ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ).

وهذه مسألة خطيرة جدًّا حيث إنه يوجد في مجتمعنا من لا يصلي ثم يعقد له النكاح على امرأة مؤمنة تؤمن بالله وتصلي، أقولها وأكرر: أن من عقد له النكاح وهو على هذه الحال – أي: لا يصلي – ثم منّ الله عليه بالهداية: فإنه يجب أن يُعاد عقد النكاح مرة أخرى حتى يكون عقدًا صحيحًا، وهذا الرجل الذي لا يصلي لا يحل له أن يدخل مكة لقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ).

وأما حجُّه عن نفسه وهو لا يصلي: فإنه غير مجزئ ولا مقبول ولا صحيح، فهو لم يؤدِّ الفريضة الآن، فعليه أن يؤدي الفرض، وكذلك حجُّه عن قريبه: لا ينتفع به قريبه، ولا يؤدي عنه إن كان حجًّا عن فريضة؛ وذلك لأنه وقع من كافر، والكافر لا تصح منه العبادات؛ لقوله تعالى ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ).

وعلى هذا فنقول لهذا الأخ السائل أما بالنسبة لحجك عن نفسك وعن قريبك: فإنه لاغٍ، ولا يصح، ويجب عليك أن تعيد حج الفريضة مرة أخرى، وإذا كان قد عُقد لك النكاح وأنت على هذه الحال: فإنه يجب عليك إعادة عقد النكاح من جديد.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 101 ).

وعليه: فعند هؤلاء القائلين بهذا الحكم فإنه لا يلزم من وقع فيما يوجب صيام شهرين متتابعين مما سبق ذِكره لا يلزمه الصيام؛ وذلك:

  1. لأن صيامه باطل، فلا يُبنى عليه حكم، وعليه: فلا يؤثِّر جماعه في نهار رمضان.
  2. لأن عقد زواجه باطل، فلا يُبنى عليه حكم، وعليه: فلا يؤثر ظهاره ولا يلزمه به شيء.
  3. لأنه لا يُعدُّ مسلمًا، وعليه: فلا يطالب كافر بصيام كفارة؛ لأن الخطاب بالكفارة في آية النساء إنما هي في حق المسلمين، ونعني بها قولَه تعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) النساء/ 92.

والقول بكفر تارك الصلاة هو القول الراجح عندنا، ونعني به: من تركها بالكلية، وأما مَن كان يصلي ويترك : فلا يكون كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، بل هو آثم إثمًا عظيما، وعليه: فإذا كان حال الأخ السائل يوم فعله ما يوجب صيام شهرين متتابعين أنه كان تاركًا للصلاة بالكلية: فإن ذمته غير مشغولة بصيام، ويكفيه أن يصلِّي ليخرج من دائرة الكفر.

وأما القول الآخر في حكم تارك الصلاة – وهو القول بعدم ردَّته -: فإن صيامك للشهرين المتتابعين صحيح ولا يلزمك إعادة تلك الأيام.

ثالثًا:

وبعد أن عرفتَ ما سبق من الفرق بين الحكمين في ترك الصلاة وما انبنى عليه من أحكام: فقد تبين لك أنه ليس عليك إعادة صيام الشهرين على كلا القولين ! فأنت عند أصحاب القول الأول كنتَ عند تركك للصلاة مرتدًّا والمرتد لا يخاطب بغير الاستتابة، ولا تنطبق عليه الأحكام التي يُخطب به المسلمون، وأنت عند أهل القول الآخر لستَ مرتدًّا وتقع أعمالك الصالحة موقعها، وأنت مخاطب بالكفارة والفدية، وتلزمك الواجبات الشرعية، ويصح عقد زواجك، ولذا فما فعلته من الصيام صحيح إن لم تأتِ بما يفسده أثناء نهارها، وسواء كان ذاك الصيام كفارة جماع في رمضان أو كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ: فكل ذلك يجزئ عنه صيامك للشهرين.

 

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك توبتك، وأن يعينك على الخير، وأن يوفقك لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة