هل يجوز له توصيل زميله النصراني إلى الكنيسة تأليفاً لقلبه على الإسلام؟!
السؤال
أنا طالب في الجامعة، ولدي زميل نصراني طيب القلب، أسأل الله أن يشرح صدره للإسلام، بحكم الزمالة نحتك ببعضنا كثيرا في الجامعة ونتعاون على أشياء مختلفة، أحاول بقدر المستطاع وبما أملك من علم أن أبيِّن له سماحة الإسلام كلما سنحت الفرصة، فالأخلاق العالية تؤثر فيه كثيرا.
سؤالي هو:
أحيانا قد يطلب مني أن أوصله للكنيسة بالعربة، أو يسألني كيف يتصرف في موقف ما حصل له مع صديقته، أنا أحاول أن أغيِّر الموضوع أو أن أتهرب من سؤاله، هل عليِّ إثم إن ساعدته فيما ذكرت سابقا؟ أم أنه يجب علي ألا أساعده؟ وما الضابط في هذه المسألة؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
لا يمنع الشرع المطهر من المعاملة مع الكافر في بيع أو شراء، ولا يمنع من الاستفادة منهم في علم أو تجارة أو غيرها من المعاملات الدنيوية التي تُصلح الحياة، لكنه يمنع من مصادقة ومصاحبة لهم بغير قصد دعوتهم إلى الإسلام؛ لأن من شأن تلك المصادقة والمصاحبة أن تؤدي إلى التأثر بهم وبدينهم، أو تؤدي إلى محبتهم القلبية، وكل ذلك خطر على دين المسلم، وما ضاع من ضاع من الطلاب والمبتعثين والمقيمين في بلاد الكفار إلا بسبب هذا الأمر حتى انصهروا في تلك البلاد وتشبهوا بأهلها معجبين بهم ومتأثرين بمنهاجهم في الحياة حتى فقد طوائف منهم أغلى ما أنعم الله تعالى به عليهم وهو الدين.
لذا فإننا نوصيك أيها الأخ السائل بأن تكون نيتك في مزاملة ذلك النصراني تأليف قلبه على الإسلام وإظهار أخلاق المسلمين التي تعلموها من دينهم، واحذر أن يوجد في قلبك مودة ومحبة لمثل هؤلاء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك بين المسلمين الذين يوحِّدون ربَّهم ولا يشركون به شيئا ولم يجعلها بين المسلمين وبين من يسبُّه ويشتمه فيعتقد له الولد – سبحانه – ويعبد الصليب ويقدِّسه.
ثانيا:
وإذا كانت قاعدة التعاون بين المسلمين أنفسهم أنها لا تكون إلا في البر والتقوى، ولا تكون في الإثم والعدوان: فأحرى أن تكون كذلك فيما لو كان التعاون بين المسلمين وغيرهم من الكفار، ومصاحبة الكفار بقصد دعوتهم، ومجاورتهم في مسكن ومشاركتهم في تجارة لا تعني التنازل عن قواعد الشرع وثوابته ومحكماته، ولا تعني ارتكاب المعاصي من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام، فلا يجوز تزويجهم من بناتنا، ولا يجوز ابتداؤهم بالسلام، ولا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، فالعلاقة مع الكفار يحكمها نصوص الشرع وقواعده وضوابطه المحكمة، وليست المسألة مطلقة مرسلة على هوى المسلم ومزاجه.
وما سألتَ عنه لا شك في منعه أشد المنع وتحريمه أشد التحريم، والأول منه أعظم إثمًا وحرمة من الآخر.
فتوصيل زميلك إلى الكنيسة حرام مغلَّظ؛ لما في الكنائس من كفر بالله تعالى وعبادة للأصنام، وإذا كان توصيل أحدٍ إلى مكان فيه زنا وشرب خمر ورقص لا يحل ولو بأجرة فإن التوصيل المجاني إلى كنيسة أشد حرمة؛ لما فيها من كفر بالله وإشراك به عز وجل.
وإعانة زميلك الكافر على إصلاح علاقة محرمة مع صديقته: من المحرمات كذلك؛ لأن في فعلك إقرارا على تلك العلاقة المحرمة بينهما، بل أنت تساهم برأيك في تقويتها وتنميتها، وهذا لا يحل لك فعله، ولا فرق في ذلك بين كون زميلك مسلما أو كافرا؛ إذ كل ذلك داخل تحت التعاون على الإثم، وهو محرَّم بنص القرآن، قال تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 .
وقد يكون التلطف في الاعتذار له في كلا المسألتين، وبيان الحكم الشرعي لهما طريقا لهدايته وإيقافه على حقيقة ما يفعل من كفر وفسق، وهذا – لا شك – خير من تغطية الحقيقة عليه، وتعميته عن إبصار الحق والحقيقة، فاجعل من عدم تعاونك معه في كلا المسألتين طريقا للوصول إلى قلبه وعقله، ولعلَّه أن يهتدي بسبب ذلك، واعلم أنه – غالبا – سيحترمك إن رفضتَ فعل شيء يخالف دينك، فاجهر بالحق ولا تخف من عاقبته، بل اطمئن إلى أن ذلك هو الحق وأنه سينفعه بإذن الله، ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن يكتب له الهداية ويكون أجر ذلك في ميزان أعمالك.
والله أعلم.


