وهب أبناءه شققًا ثم مات قبل أن يقبض الصغارُ شققَهم فكيف يتصرفون؟
السؤال
رجل وهب بعض أبنائه أثناء حياته شققًا، وله أبناء صغار، وله شقق أخرى، وقال: إن هذه الشقق لهؤلاء الأبناء الصغار، وتوفي قبل أن يكبروا ويقبضوا هذه الشقق، فهل يحق لهؤلاء الأبناء الذين كبروا الآن أن يأخذوا هذه الشقق بناء على وعد أبيهم أم أن هذه الشقق مال للورثة كلهم؟ مع العلم أن هذه الشقق كانت مستأجرة أثناء حياته وهي الآن فارغة وغير مستأجرة.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
العدل بين الأولاد في العطية واجب على الأب والأم.
ثانيًا:
إذا كان ذلك الأب له بنات ولم يعطهن شققًا أو ما يعادل قيمتها كما أعطى أبناءه: فيكون ظالمًا بتلك العطية، ولا تحل تلك الشقق لأولئك الأبناء، وإذا مات قبل أن يقيم العدل: فإن على الأبناء إرجاع تلك الشقق وجعلها في التركة ليتم قسمة الجميع وفق شرع الله تعالى بالأنصبة المبينة لأصحاب الحقوق، وهذا القول هو الصواب؛ لموافقته للسنَّة التي سمَّت ما يُعطاه المفضَّل من الأولاد ” جورًا”، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الوالدَ الواهب بغير عدل أن يردَّ ما أعطاه لولده المفضَّل، فدلَّ على عدم إباحة تملكه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض الأئمة قبله وبعده، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله.
* يقول الشيخ عبدالله البسام – رحمه الله -:
واختلفوا فيما إذا خصَّ الوالدُ بعضَ أولاده دون بعض، أو فضَّله دون البعض الآخر بلا مسوغ شرعي، ثم مات الوالد قبل أن يرجع فيما خص به، ولا بما زاد به بعضهم على بعض فهل تمضي العطية لمن أُعطيها والإثم على الوالد المُفَضِل بينهم؟ أم يرجع الورثة على المُعْطَى ويكونون فيها سواء؟.
ذهب جمهور العلماء إلى القول الأول، ومنهم الأئمة الأربعة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن العطية لا تثبت، وللباقي الرجوع، واختاره ابن عقيل، والعكبري، والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، واختاره الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق. ” توضيح الأحكام من بلوغ المرام ” ( 5 / 116).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضِّل بعضًا على بعض كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل وأمر برده، فإن فعل ومات قبل العدل: كان الواجب على من فُضل أن يتبع العدل بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال – الأول والآخر – على كتاب الله تعالى ( للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن )، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 297 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ولكن لو فرض أنه لم يفعل ثم مات – أعني: الأب – قبل أن يسوِّي بين الأولاد فهل يطيب لهذا المفضَّل؟ فالجواب: لا تطيب له، ويجب عليه أن يردها في التركة وأن يرثها الورثة أجمعون. ” نور على الدرب ” ( شريط 314 ).
ثالثًا:
وإذا لم يكن لذلك الأب بنات فإنه لا يكون ظالمًا في العطية بل يُثنى على فعله ويشكر له، والصواب أن يقال: إن الشقق التي وهبها لأبنائه الذين كانوا صغارًا أنها تُعطى لهم تحقيقاً للعدل الذي أوجبه الله تعالى عليه وتنفيذاً لفعله الذي أراده في حياته، ولا ينبغي القول بأنها ترد إلى التركة فتقسم مع باقي ماله بينهم وبين الورثة؛ لما فيه من الظلم لهم؛ لأنها عطية عدل في حال الحياة فتنفذ، ولو كان حكم تلك الشقق أنها لا تملَّك لهم لما كانت شقق الأبناء الآخرين مباحة لهم، بل لكان حكمها أنها ترد إلى التركة ليقسَّم الجميع بين الورثة، كما سبق في المسألة السابقة، لكن الصواب أن الجميع يُملَّك ما وهبهم إياه والدهم من الشقق.
وننبه على أمرين:
- ينبغي أن تكون الشقق الموهوبة لكل الأبناء متساوية في ثمنها حين وهبها حتى يتحقق العدل، فنرجو أن يكون الأمر كذلك أو يكون تسامح من بعضهم لبعض على ما يوجد من تفاوت في القيمة بين الشقق.
- الأجرة المحصلة من شقق الأبناء الذين كانوا صغارًا: فهي من حقهم، فإذا كان الأب قد ادخرها لهم فيعطوها مع خصم ما دُفع عليها من تكاليف صيانة وترميم من قبَل الأب، وإذا كان الأب قد أنفق هذا المال عليهم وعلى أهل البيت فلا يطالِبون به من التركة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) – رواه ابن ماجه ( 2291 ) من حديث جابر وهو صحيح -.
ونحن نبهنا على هذين الأمرين الأخيرين أداء للأمانة، فنرجو أن يكون من الأبناء جميعًا تسامح فيهما وعفو؛ تقديراً لما أراده الوالد الكريم من العدل في العطية بينهم، وجمعًا لكلمتهم؛ فإنه خير من مال الدنيا كله.
والله أعلم.


