التحذير مما يشوب علاقة الأطباء بشركات الأدوية من مخالفات شرعية
السؤال
سؤالي هو عن أمر شائع في المستشفيات أو المعاهد التعليمية مثل تلك التابعة للجامعة التي أعمل بها – وأنا أعمل طبيبًا وعضو هيئة تدريس بالجامعة – وعندما يكون هناك مؤتمر طبي فإن الأمر المتعارف عليه أن تقوم إحدى الشركات التي تتعامل مع الجامعة ( مثل شركات الأجهزة الطبية وشركات الأدوية ) بالتكفل بمعظم المصاريف الخاصة بالمؤتمر والتي تشمل أساساً الإقامة بالمدينة التي يقام بها المؤتمر العلمي، وحدث أنني توليت مع بعض الزملاء عملية ممارسة لشراء جهاز كبير للمكان الذي أعمل به والذي تنافست على إثره أكثر من شركة، ثم تم بالفعل رسيان العطاء على واحدة منها والتي لم أحاول إطلاقا تمييزها في شيء بالنسبة للتقرير الفني، ومع قرب المؤتمر فقد طَلب مني عميد المعهد أن أطلب من الشركة اشتراكها بالمؤتمر وبالتالي تمويل المؤتمر سواء بمبالغ نقدية أو توفير عدد من الغرف لأعضاء هيئة التدريس فأعطيته تليفونات بعض المسئولين بها وطلبت من العميد بطريقة مهذبة أن يتم ذلك عن طريقه، ثم اتصلت بأحد المسئولين في الشركة وأكدت له أنه من ناحيتي أن اشتراكهم في المؤتمر من عدمه لن يكون لذلك تأثير على استمرار الصفقة معهم حيث أني – بإذن الله – لي دور كبير في استلام الجهاز وبالتالي دفع كل مستحقات الشركة، والحقيقة لتوضيح الأمور أكثر: فإن الشركة كغيرها من الشركات تستفيد بعرض إنتاجها في المؤتمرات والتسويق له، وهو ما قرره مسئول الشركة عند حديثي معه وأن تحمل تلك الشركات أو شركات الأدوية وغيرها لنفقات الإقامة لبعض الأطباء والعاملين بالمؤسسات التي تتعامل معها يكاد يكون عرفًا، كما أن تكلفة الاشتراك بتلك المؤتمرات تكون عالية نسبيًّا ومن الصعب فعلا أن أشترك على نفقتي الخاصة، ومطلوب منَّا حضور تلك المؤتمرات ليس فقط للفائدة العلمية بها ولكن لأنها من ضمن الأنشطة المطلوبة للترقي بالعمل، فهل يجوز لي الاشتراك في مثل هذا المؤتمر والإقامة في إحدى الغرف التي تتحملها الشركة مثل باقي المشتركين من المعهد؟ وهل يختلف الأمر إذا كان هذا بطريقة مباشرة مع الشركة أو عن طريق العميد؟ وهل يجوز لي متابعة هذا الأمر ( وهو اشتراكهم في المؤتمر والذي يؤدي بالضرورة لتمويله ) معهم كما طلب مني العميد.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يخفى على أحد العلاقة التي صارت ظاهرة للعيان بين الأطباء وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، وقد صدرت فتاوى كثيرة تحذِّر الأطباء من قبول الهدايا والعطايا من تلك الشركات وإن كانت على صورة ” هدية ” أو ” سفر لمؤتمر طبي “، وكل ذلك لا يُغيِّر الحقائق من كون تلك الأمور هي رشاوى من أجل تسويق الأدوية أو الأجهزة الطبية التي تنتجها – أو تملك وكالتها – تلك الشركات سواء في عيادته، أو في المؤتمرات الطبية؛ لأن تسويق الطبيب لذلك الدواء أو الجهاز لا ينافسه تسويق مندوب مبيعات تلك الشركات.
وهذا موضوع بعنوان ” هدايا شركات الأدوية للأطباء ومَن في حكمهم ( رؤية شرعية ) ” للدكتور عطية فياض، ننصح بالاطلاع عليه، وهو تحت هذا الرابط:
http://www.islamselect.com/author/2604
ثانيًا:
وعلى الطبيب الذي يتقي ربَّه تعالى أن يحكم على أدوية وأجهزة شركات الأدوية بالحق والعدل، ولا يحملنَّه دعم تلك الشركات للمؤتمرات الطبية التي يشارك فيها لأن يَحكم لها ويسوق بضاعتها من أجل ذلك الدعم.
والذي نظنه في الأخ السائل أنه من الأطباء الذين يحكمون بالعدل ولا يحابون في أحكامهم على الدواء أو الجهاز الطبي، ونرى أن سؤاله واستفساره هنا دليل – إن شاء الله – على ذلك، وأن اختياره لذلك الجهاز الطبي لتشتريه الجامعة من تلك الشركة إنما كان لأنه الأفضل والأجود، ولم يكن محاباةً للشركة.
والذي يجب التنبيه عليه: أنه ينبغي التفريق بين أن يكون دعم شركات الأدوية والأجهزة الطبية للطبيب مباشرة ليسافر إلى مؤتمرات طبية بدعوى التزود من العلم وغير ذلك من الأسباب وبين دعم تلك الشركات لمؤتمرات طبية تقوم بها جامعات علمية – كما هو الحال في سؤال أخينا الفاضل – ففي الحال الأولى تكون صلة الشركات مع الطبيب نفسه، وفي الحال الثانية تكون الصلة مع الجامعات، وقد أحسن الأخ السائل – فيما نرى – عندما جعل عميد الكلية هو من يقوم بالاتصال الشركات الداعمة لمؤتمرهم العلمي، وإن كنَّا لم نود له الاتصال بأحد مسئولي الشركة ليبين له أنه لا تأثير لعدم مشاركتهم في دعم المؤتمر على إتمام صفقة الجهاز المشترى منهم؛ لأنه قد يُفهم من اتصاله غير الذي يقصده ويريده، فتصل الرسالة للشركة بعكس قصد الطبيب.
ثالثًا:
والذي نراه حكم الصورتين السابقتين: أنه لا مانع من أن يشترك الأخ السائل في المؤتمر الطبي الذي تعقده الجامعة بدعم شركات الأدوية وشركات الأجهزة الطبية طالما أن اشتراك الشركات عن طريق الجامعة، وعلاقة الأخ الطبيب السائل إنما هي مع جامعته لا مع تلك الشركات، ولا نرى المشاركة في أي مؤتمر إذا كانت الدعوة موجهة من الشركة لذلك الطبيب مباشرة؛ لدخول ذلك في الرشوة – كما سبق ذِكره في أول الجواب -، وبين الأمرين فرق ظاهر لا يخفى.
وأما متابعة الأمر مع الشركات الداعمة – ومنه الشركة التي اشتُري منها الجهاز- فلا نرى ما يمنع منه، وتعامله هذا مع الشركة واتصاله بها إنما هو بصفته موظفاً في الجامعة لا أنه طبيب مستقل؛ لأن الذي طلب منه متابعة الأمر هو عميد الكلية، وهو مسؤوله في الوظيفة، وإذا استطاع جعْل أمر متابعة الشركة لغيره من الزملاء والأصدقاء فهو أفضل.
ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويهدي قلبك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى، كما نوصي الأطباء بتقوى الله تعالى وأن يحذروا من قبول الرشاوى فإنها من كبائر الذنوب، وليحمدوا الله تعالى على ما رزقهم من رزق حلال وليكتفوا به عن الحرام الذي يزيَّن لهم باسم الهدية والاستزادة من العلم، وهم أعلم الناس أن شركات الأدوية والأجهزة الطبية لا تريد من فعلها ذاك إلا الرشوة، والوصية كذلك لأصحاب الشركات أن يتقوا الله في أنفسهم وفي منتجاتهم وفي الأطباء، وليعلموا أن الله تعالى سائلهم عما اقترفته أيديهم من الوقوع في الرشوة، ومن إيقاع الأطباء معهم في ذلك، ومن تسويق أدوية غير صالحة أو غير فعالة، ومن تسويق أجهزة طبية غير ذات جدوى.
والله أعلم.


