كاتبة قصص ومقالات باللغة الإنجليزية تسأل عن حكم الكتابة وأخذ الأجر مقابل ذلك
السؤال
وهبني الله موهبة عظيمة، فـأنا مبدعة في كتابة القصص والمقالات باللغة الإنجليزية، ولذلك فقد اتخذتها مهنة، إن كتاباتي ليست دائمًا عن الإسلام بل أكتب كتابات مختلفة في شتى المجالات، ولكنني أحرص على أن لا تكون في حرام أبدًا، فهل ما أحصل عليه من مال من وراء هذه الكتابات حلال؟ إنني أكتب هذه الكتابات انطلاقًا من قناعاتي بأن المسلمين يجب أن يتميزوا في كل جانب من جوانب الحياة، وحتى يعلم كل من يقرأ مقالاتي أننا لسنا أمّة متخلفة كما يظن البعض.
الجواب
الحمد لله
لا مانع من كتابة القصص إذا التُزمت بذلك الشروط الشرعية المبيحة لكتابتها لنشرها بين الناس، ومن تلك الشروط:
- أن لا تكون مشتملة على المخالفات الشرعية التي جاء الشرع بمحاربتها والتحذير منها، ومن ذلك: الشرك، والبدعة، والمنكرات في الأقوال والأفعال والسلوك.
- أن لا تكون مشتملة على الكذب، فإن كانت القصة على سبيل التمثيل فلا بأس بذلك، كما صنع الحريري في ” مقاماته ” إذ ليس ثمة ” حارث بن همَّام ” – وهي الشخصية التي تمثل وجودها في مقاماته -، وكما صنع ابن القيم في بعض كتبه في عقد مناظرات في مسائل خلافية وتكلم على ألسنتهم بما ليس له واقع إنما هو تمثيل للأمر.
* قال الحريري في مقدمة “مقاماته “:
وأرْجو أنْ لا أكونَ في هذا الهذَرِ الذي أوْرَدْتُهُ، والمَوْرِدِ الّذي تورَّدْتُهُ كالباحِثِ عنْ حتْفِهِ بظِلْفِه، والجادعِ مارِنَ أنْفِهِ بكفّهِ فألحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً الذينَ ضلّ سعْيُهُمْ في الحياةِ الدُنْيا وهُمْ يحْسِبونَ أنّهُمْ يُحسِنونَ صُنْعاً على أني وإنْ أغْمَضَ لي الفَطِنُ المُتغابي ونضَحَ عنّي المُحبُّ المُحابي لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ، أو ذي غِمْرٍ متَجاهِلٍ، يضَعُ مني لهَذا الوضْعِ، ويندّدُ بأنّهُ منْ مَناهي الشّرْعِ، ومَنْ نقَدَ الأشْياءَ بعَينِ المعْقولِ وأنْعَمَ النّظَرَ في مَباني الأصولِ: نظَمَ هذِه المَقاماتِ في سِلْكِ الإفاداتِ، وسلَكَها مسْلَكَ الموْضوعاتِ عنِ العَجْماواتِ والجَماداتِ، ولمْ يُسْمَعْ بمَنْ نَبا سمْعُهُ عنْ تِلكَ الحِكاياتِ، أو أثّمَ رُواتَها في وقْتٍ من الأوْقاتِ، ثمّ إذا كانَتِ الأعْمالُ بالنِّيّاتِ وبها انْعِقادُ العُقودِ الدِّينِيّاتِ : فأيُّ حرَجٍ على مَنْ أنْشأ مُلَحاً للتّنْبيهِ لا للتّمويهِ، ونَحا به منحَى التّهْذيبِ لا الأكاذيبِ؟ وهلْ هُوَ في ذلِك إلا بمنزِلَةِ مَنِ انتَدَبَ لتعْليمٍ أو هدَى إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ؟.
” مقامات الحريري ” ( ص 17 ، 18 ).
وعلَّق عليه الشيخ رشيد رحمه الله بقوله:
فهو يقول إنه لم يعرف عن أحد من علماء الأمة إلى زمنه أنه حرم أمثال تلك القصص التي وضعت عن الحيوانات ككتاب ” كليلة ودِمنة ” وغيره؛ لأن المراد بها الوعظ والفائدة وصورة الخبر في جزئياتها غير مرادة، وما سمعنا بعده أيضًا أن أحدًا من العلماء حرّم قراءةَ مقاماتِه، ولكن اجتهاد بعض المغرورين بالحظوة عند العوام يتجرؤون على تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، ولا حرم مثله أحد من علماء الملة. “مجلة المنار ” ( 14 / 828 – 830 ) ضمن فتوى بعنوان ” تمثيل الوقائع التاريخية والخيالية للاعتبار “.
- أن تكون ذات أهداف سامية ومعاني جليلة.
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
بعض الأدباء يؤلفون قصصًا ذات مغزى، وبأسلوب جذاب، مما يكون له الأثر في نفوس القراء، ولكنها من نسج الخيال، ما حكم ذلك؟.
فأجابَ – رحمه الله – بقوله:
لا بأس بها، لا بأس بذلك إذا كان يعالج مشاكل دينية أو خُلُقية أو اجتماعية؛ لأن ضرب الأمثال بقصصٍ مفروضة غير واقعة لا بأس به، حتى إن بعض العلماء ذكر ذلك في بعض أمثلة القرآن الكريم أنها ليست واقعة، لكنّ الله ضربها مثلًا، مثل قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/76.
فلا أرى في هذا بأسًا؛ لأن المقصود هو التحضيض، ولكن إن حصل أن يكون عند الإنسان علم بما في الكتاب والسنَّة ثم يعرض آيات فيها معالجة لمشاكل، ويشرحها ويفسرها ويضرب المثل عليها: فهو خير، وكذلك يذكر أحاديث فيفسرها ويضرب المثل عليها: فهذا أحسن بلا شكَ.
” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).
ويوجد فتوى مفصلة عن الشيخ العثيمين، وفيها جواز الاكتساب من كتابة تلك القصص إذا كانت قصصًا دنيوية.
ولا نرى فرقًا في جواز الاكتساب بين كتابة القصص الدنيوية والدينية، وما قيل في القصص من جواز كتابتها وجواز الاكتساب منها يقال في كتابة المقالات والاكتساب منها.
ونسأل الله أن يسدِّد قلمك، وأن ينفع بك المسلمين، ونوصيك بما أوصى به الشيخ العثيمين رحمه الله من الاستفادة من القرآن والسنَّة شرحًا وتفسيرًا وضربًا للأمثال عليهما، وخاصة أنك تكتبين باللغة الإنجليزية وثمة محتاجون كثُر لفهم الإسلام ومعرفة أحكامه ممن يقرأ بتلك اللغة العالمية.
والله أعلم.


