ما معنى كلام ابن عمر أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا؟

السؤال

في كتاب الوضوء من كتاب البخاري هناك حديث لعبد الله بن عمر أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الرجال والنساء يتوضئون سويًّا، وقد استغل أحد الناس هذا الحديث كدليل على أن المرأة من الممكن أن تكشف شعرها ووجهها وذراعيها وقدميها( الأعضاء التي تغسل في الوضوء) أمام الرجل، أرجو أن تقوموا بالرد عليه؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي أراد الأخ السائل الكلام في فقهه ومعناه هو ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا. رواه البخاري ( 190 ).

وقد رواه أبو داود ( 80 ) وابن ماجه ( 381 ) – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – بلفظ ” كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا.

ثانيًا:

وقد اختلف أهل العلم في توجيه الحديث، وسبب الحاجة إلى توجيه معنى الحديث حتى لا يُفهم منه ما نقله السائل عن بعضهم من إظهار النساء أعضاء وضوئهن أمام الرجال الأجانب عنهن، ولذا كان فقه الحديث ومعناه لا يخرج عن ثلاث احتمالات:

الأول: أنه ليس الحديث في اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد على الوضوء، بل فيه بيان أن مكان وضوئهم والماء الذي يتوضئون منه هو مكان واحد وماء واحد، فإذا انتهى الرجال من الوضوء جاء النساء، وهو قول سحنون من المالكية، ومقصود ابن عمر من ذِكر هذا بيان عدم تنجس الإناء من التناوب على الحوض بالوضوء منه حتى مع غمس الأيدي فيه، وأن توضأ النساء منه غير مؤثر على الماء.

الثاني: أن المراد بالنساء في الحديث الزوجات والمحارم، وهو قول ولي الدين العراقي، حيث قال – رحمه الله -: أطلق ابنُ عمر في حديثه وضوء النساء والرجال جميعًا، ولا شك أنه ليس المراد به الرجال مع النساء الأجانب، وإنما أراد الزوجات أو من يحل له أن يرى منها مواضع الوضوء، ولذلك بوب عليه البخاري ” باب وضوء الرجل مع امرأته. ” طرح التثريب ” ( 2 / 39 ).

الثالث: أن يكون الحديث في وصف حدث قبل تشريع الحجاب على النساء، وهو ترجيح الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده: فيُختص بالزوجات والمحارم. ” فتح الباري ” ( 1 / 300 ).

وسواء قيل بالوجه الأول أو الثاني أو الثالث: فإنه ليس معنى الحديث أن الشرع جاء ليبيح للمرأة أن تكشف ذراعيها وساقيها ورأسها أمام الرجال الأجانب! وهذا لا يقول به من عرف الشرع وأحكامه، والعلماء مجمعون على تحريم إظهار تلك الأعضاء أمام الرجال الأجانب، ولا يمكن للشرع المطهر أن يحرص في كل أحكامه على ستر المرأة والحرص على ابتعادها عن الرجال عموما وفي أعظم العبادات وهي الصلاة خصوصا، فيحثها على صلاتها في بيتها، ويحثَّها على الابتعاد عن الصف الأول، ويجعل لها بابًا خاصًّا تدخل منه للمسجد، ويحثها على المبادرة بالخروج من المسجد سلام الإمام، ثم يأتي ليبيح لها كشف ساقيها وذراعيها ورأسها أمام الرجال الأجانب في الوضوء!.

ولذا لمَّا كان اجتماع الرجال والنساء على مكان واحد للوضوء يمكن أن يحدث منه اطلاع الرجال على شيء من أعضاء النساء أثناء الوضوء عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مَن اجتمع من النساء والرجال على مكان واحد ليتوضئوا جميعاً في وقت واحد، وأمر بجعل مكان خاص للرجال وآخر للنساء، فعن أبي سلامة الحبيبي قال: رأيتُ عمر بن الخطاب أتى حياضًا عليها الرجال والنساء يتوضئون جميعًا فضربهم بالدِّرة ثم قال لصاحب الحوض: اجعل للرجال حياضًا وللنساء حياضاً، ثم لقي عليًّا فقال: ما ترى؟ فقال: أرى إنما أنت راعٍ فإن كنتَ تضربهم على غير ذلك فقد هلكتَ وأهلكتَ . رواه عبد الرزاق في ” مصنفه ” ( 1 / 75 ).

وهذا يدل على أن هذا الأمر لم يكن معروفًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إما أن يكون قبل تشريع الحجاب، أو يكون اجتماع الرجال والنساء على الوضوء من مكان واحد لا يكون في وقت واحد، ولما حصل مثل هذا في زمان عمر رضي الله عنه عاقب عليه ومنعه.

والعجيب من بعض المميعين الذين استدلوا بحديث ابن عمر على جواز كشف المرأة لذراعيها وساقيها أثناء الوضوء أمام الرجال الأجانب لم يلتزم هذا في كشف الرأس! وقال إن الرأس يمكن أن يُمسح على الخمار الذي يغطيه! وهذا تحكم منه وفرار من الالتزام بما دلَّ عليه النص، فهو يزعم أن النساء كشفن عن ذراعيهن وساقيهن وأنهن مسحن على خمرهن! وكأنه يشاهد الحدث بعيني رأسه! وكل ذلك حتى لا يلتزم بالقول بكشف رؤوسهن فيقع في مخالفة للشرع منكرة ويُحج بالنصوص التي تأمر المرأة بتغطية رأسها؛ لأن تشريع الحجاب إن كان نازلًا فقد خالفت الصحابيات بذلك الشرع، وإن كان غير نازل فقد نزل بعدُ والتزمنه، فهو بين أن يجعل الصحابيات مخالفات للشرع أو يجعلهن غير مخالفات لعدم الأمر بالحجاب، ولو قال بالثاني للزمه أن الفعل كان قبل تشريع الحجاب فلا يستنبط منه جواز كشف تلك الأعضاء، وحتى لا يقول بالأول لوى عنق النص وقال إنهن كنَّ يمسحن على خمرهن!.

والحقيقة: أنه لا فرق بين الذراعين والساقين وبين الرأس في حكم كشف ذلك من المرأة أمام الرجال الأجانب، وأنه يحرم عليها كشف شيء من تلك الأعضاء أمامهم بإجماع المسلمين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

ويحرم عليها أن تكشف شعرها أو صدرها أو نحرها أو ذراعيها أو ساقيها أو نحو ذلك من جسمها بحضور الرجال الأجانب بإجماع المسلمين.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 214 ، 215 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة