كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟
السؤال
عندي مشكلة كبيرة جدًّا هي أني لا أستطيع الجمع بين هذين الأمرين: فإما أن أكون فظًّا مع الناس أو أكون متسامحًا جدًّا، وفي كلتا الحالتين يعيب عليَّ الناس صنيعي.
أريد أن أعرف كيف أجمع بين أن أكون متسامحًا وفي نفس الوقت آخذ حقي وأحافظ على كرامتي؟ وهل المسامحة معناها أن أترك حقي؟ من الذي سمعته عن سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان متسامحًا لأعلى الدرجات مع أنه كان أشرف الخلق وأعلاهم كرامة، كيف أجمع بين الاثنين؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
يزول الإشكال – أخي السائل – إذا وضعتَ الشيء في مكانه المناسب في كلا مسألتيك:
أما المسألة الأولى: فإن الغلظة والفظاظة لا تكون إلا مع أعداء الله تعالى المحاربين من الكفار، ويكون اللين وحسن المعاملة مع المؤمنين، وفي دعوة الكفار؛ إذ لا تصلح الغلظة هنا وإلا انفض عنك المؤمنون ولم يستفد الكفار من دعوتك.
* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
من الحكمة استعمال اللين في معاشرة المؤمنين، وفي مقام الدعوة للكافرين، كما قال تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران/ 159، وقال ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 44، فأمر باللين في هذه المواضع وذكر ما يترتب عليه من المصالح، كما أن من الحكمة استعمال الغلظة في موضعها. قال تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) التحريم/9؛ لأن المقام هنا مقام لا تفيد فيه الدعوة، بل قد تعين فيه القتال، فالغلظة فيه من تمام القتال، وقد جمع الله بين الأمرين في قوله في وصف خواص الأمة ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح/ 29. ” تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 312 ).
ثانيًا:
وهكذا يقال في المسألة الثانية: هل العفو والمسامحة أفضل أو أخذ الحق، والجواب عليه: أن العفو أفضل من حيث الأصل لكن قد يوضع في غير مكانه فلا يكون أفضل، بل قد يأثم العافي، فيكون وضع كل شيء في مكانه المستحق له هو الجواب عن الإشكال عندك.
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله -:
الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته – مثلًا – إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور تنتهك به حرمات الله؟! فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر ( فَاعْتَدُوا ) الآية, أي: كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل.
وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل حِلمٌ قل فللحِلم موضعٌ *** وحِلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ
” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 32 ، 33 ).
والذي يعفو عن المسيء المستحق للعفو: فإن له البشرى بالعز في الدنيا والآخرة، تحقيقًا لقول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) رواه مسلم ( 2588 ) من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وله الأجر والثواب في الآخرة، ومن ذلك ما قاله تعالى ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 133،134.
ويشترط لهذا الفضل وذاك الثواب للعافي حتى يتحققا أمور:
- أن يعفو عن حقِّه قاصدًا الأجر والفضل من الله، فيترك الانتصار والانتقام لله تعالى.
أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً ). رواه أحمد ( 15 / 390 ) وحسَّنه المحققون، وجوَّد إسناده الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2232 ).
- أن يكون قادرًا على أخذ حقه، فلا يعفو لضعف ولا لعجز.
وهو واضح في المعنى اللغوي والشرعي للعفو، وقد قال البخاري في صحيحه (2 / 863 ): باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ( لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا )، ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ )، قَالَ إِبْرَاهِيمُ – أي: النخعي – كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. انتهى.
وبهذا الأمر تتبين قوة ومهابة العافي عن المسيء من المستحقين للعفو، فعندما تظهر قدرته على الانتصار والانتقام ويعفو عنه: يكون قد حقق لنفسه المهابة وحاز فضل وأجور العفو.
قال تعالى ( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) الشورى/ 36 – 43.
* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب وندبهم إلى العفو والإصلاح وأما قوله ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ) فليس منافياً للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتم وأكمل ، قال النخعي في هذه الآية: ” كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإذا قدروا عفَوا “، وقال مجاهد: ” كانوا يكرهون للمؤمن أن يُذل نفسه فتجترئ عليه الفساق “، فالمؤمن إذا بُغي عليه يُظهر القدرة على الانتقام ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف منهم عطاء وقتادة. ” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 179 ).
- أن يترتب على عفوه إصلاح، ولا يترتب ضرر، قال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) فلا يعفو عن مجرم معروف بالشر وإيقاع الضرر بالناس لأنه يكون بعفوه عنه إطلاق يديه في الشر والسوء، لذا لا يشرع العفو عنه، بل تجب عقوبته وكف يده عن الناس بما يُستطاع.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والعدل نوعان
أحدهما: هو الغاية، والمأمور بها، فليس فوقه شيء هو أفضل منه يؤمر به، وهو العدل بين الناس
والثاني: ما يكون الإحسان أفضل منه، وهو عدل الإنسان بينه وبين خصمه في الدم والمال والعِرْضِ، فإن الاستيفاء عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلا بعد العدل، وهو أن لا يحصل بالعفو ضررٌ، فإذا حصل منه ضرر: كان ظلمًا من العافي، إما لنفسه، وإما لغيره، فلا يشرع.
” جامع المسائل ” ( 6 / 38 ).
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث ( وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا ) -:
وفي هذا حثٌّ على العفو، ولكن العفو مقيَّد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ )، أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفسادًا: فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتدى عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوتَ عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضًا ، فمثل هذا نقول: الحزم والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني: أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح بل لا يزيدهم إلا فسادًا وشرًّا، فأما إذا كان في العفو خير وإحسان وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك: فهذا خير .
” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 525 ).
ثالثًا:
وما قد تجده في نفسك في حال رغبتك بالعفو عمن ظلمك ممن تستطيع أخذ حقك والانتصار منه وترى أن عفوك عنه فيه صلاح له وليس يترتب عليه ضرر عليك أو على الناس: فإن ذلك من الشيطان يصوِّر لك أمر العفو والمسامحة أنه ذل وخنوع وانكسار، وكل ذلك ليصدك عن العز ورفع الشأن، ومزيد الأجر، فكن متيقظًا لهذا.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قال صلى الله عليه وسلم ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا ) إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك أو في بدنك أو في أهلك أو في حق من حقوقك فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك، قال تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) البقرة/ 194، وقال تعالى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) النحل/ 126، ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا همَّ بالعفو وحدَّث نفسه بالعفو: قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف! كيف تعفو عن شخص جنى عليك أو اعتدى عليك؟ وهنا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا) والعز ضد الذل، وما تحدثك به نفسُك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك: فهذا من خِداع النفس الأمَّارة بالسوء ونهيِها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا عزًّا ورفعة في الدنيا والآخرة .” شرح رياض الصالحين ” (3/408،409).
وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك الفضل للعافي على ما ذكرتَه في سؤالك من أنك تعتقد أن المكانة والمهابة لا تكون بالعفو، بل بأخذ الحق وعدم المسامحة.
* قال الصنعاني – رحمه الله -:
وفيه: أنه يَجعل الله تعالى للعافي عزًّا وعظمةً في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظُم ويُصان جانبه ويُهاب، ويظن أن الإغضاء والعفو لا يحصل به ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه سلم بأنه يزداد بالعفو عزًّا. ” سبل السلام ” ( 4 / 209 ).
والله أعلم.


