أشكل عليه فهم حديث القبضة وحديث وضع الرب تعالى قدمه في النار
السؤال
هناك أحاديث تذكر أن الله سبحانه وتعالى يضع يده في النار ليقبض قبضة من العصاة ليخرجهم إلى الجنة، وحديث آخر يذكر أن الله سبحانه يضع قدمه في النار – حديث ( هل من مزيد ) -.
فالسؤال:
أريد أن أفك هذا اللبس عندي، كيف تحوي النار قدم الله أو يد الله سبحانه وهو لا يحيط به زمان ولا مكان؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نذكر نصوص الأحاديث التي أشار إليها الأخ السائل:
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ …) البخاري ( 7001 ) مسلم ( 183 ).
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ).
البخاري ( 4569 ) مسلم ( 2846 ).
وفي رواية لهما: ( فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ قَطٍ ).
ثانيًا:
وليس ثمة خلاف عند أهل السنَّة والجماعة في إثبات اليد والقدم والرِّجل لله سبحانه وتعالى، فهو تعالى من أخبر بذلك عن نفسه، ويثبت أهل السنَّة والجماعة لربهم تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع إثباتهم لربهم تعالى تلك الصفات فإنهم ينزهون ربهم عز وجل عن مماثلة المخلوقين لقوله سبحانه وتعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى/ 11، فليست يده كأيدي مخلوقاته ولا قدَمه كقدم مخلوقاته، وإذا كانت مخلوقاته نفسها تختلف في هذه الأشياء فيما بينها فأولى أن تختلف فيما بينها وبين ربها وخالقها سبحانه وتعالى.
ثم إن القول ببعض الصفات كالقول ببعضها الآخر، وكل مسلم يعلم عظيم صفة سمع الله تعالى وعظيم صفة بصر الله تعالى وعظيم صفة عِلم الله تعالى، وأنه لو قيل لعامي مسلم اذكر ما تعرفه عن عظمة هذه الصفات في حق رب العالمين لجاء بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة ولما خرج عن الشرع، ولو قيل له إن بعض مخلوقات الله تسمع وتبصر وتعلم فكيف تثبت لربك هذه الصفات لاعترض على القائل أشد الاعتراض ولأخبر بعظيم الفرق بين صفات الله تعالى وصفات خلقه، وما يقوله في هذه الصفات – ومثيلاتها – لا فرق – في الواقع – بينه وبين صفة اليد والقدم والاستواء والغضب وغيرها فكلها تليق بجلال ربنا تبارك وتعالى، ولا يماثل شيء منها صفات مخلوقاته عز وجلَّ.
وهذه طائفة من كلام بعض أئمة أهل السنَّة في إثبات تلك الصفات لرب العالمين والرد على ما عطَّلها:
- * قال الإمام الترمذي – بعد أن روى حديث – أبي هريرة -:
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذِكر القدَم، وما أشبه هذه الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم: أنهم روَوا هذه الأشياء ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمِن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمَن بها ولا تفسَّر ولا تُتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه . ” سنن الترمذي ” ( 4 / 691 ).
- * وقال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:
باب ذِكر إثبات الرِّجل لله عز وجل وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا عز وجل التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. ” كتاب التوحيد ” ( 2 / 202 ) وساق بعده حديث أبي هريرة السابق.
3.* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وقد غَلِطَ في هذا الحديث المعطلةُ الذين أوَّلوا قوله ( قدَمه ) بنوع من الخَلق، كما قالوا: الذين تقدَّم في علمِه أنهم أهل النار، حتى قالوا في قوله ( رِجلَه ): كما يقال: رِجْل من جَرادٍ!.
وغَلَطُهم من وجوهٍ:
فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( حتى يضع )، ولم يقل: حتى يُلقي، كما قال في قوله: ( لا يَزَال يُلقَى فيها ).
الثاني: أن قوله ( قدَمه ) لا يُفْهَم منه هذا، لا حقيقةً ولا مجازًا، كما تَدُلُّ عليه الإضافة.
الثالث: أن أولئك المؤخَّرين إن كانوا من أصاغر المعذَّبين: فلا وجهَ لانزوائِها واكتفائها بهم فإنّ ذلك إنما يكون بأمرٍ عظيمٍ، وإن كانوا من أكابر المجرمين: فهم في الدرك الأسفلِ، وفي أوّلِ المعذَّبين لا في أواخرِهم.
الرابع: أن قوله ( فينزوي بعضُها إلى بعض ) دليلٌ على أنها تَنضمُّ على من فيها، فتضيقُ بهم من غيرِ أن يُلقَى فيها شيء.
الخامس: أن قوله ( لا يزال يُلقَى فيها وتقول هل من مزيد حتى يَضَعَ فيها قدمَه ) جَعَلَ الوضعَ الغايةَ التي إليها ينتهي الإلقاءُ، ويكون عندها الانزواءُ، فيقتضي ذلك أن تكون الغايةُ أعظمَ مما قبلَها.
وليس في قول المعطِّلةِ معنًى للفظ ( قدمه ) إلا وقد اشترك فيه الأول والآخر، والأوّل أحقُّ به من الآخر. ” مختصر الفتاوى المصرية ” ( 2 / 110 ) و ” جامع المسائل ” ( 3 / 239 ، 240 ).
ثالثًا:
وقد استشكل بعضهم على أهل السنَّة كيف أن الله تعالى يضع قدمه في جهنم – ومثله في حديث القبضة – ولا ينبغي أن يرد مثل هذا عندما يتعلق الأمر بذات الله تعالى وصفاته؛ فإن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، ولو أن أولئك قد تخلصوا من داء التشبيه والتمثيل لما وقع لهم مثل تلك الإشكالات، ولو أنهم حققوا قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) لما جاءوا بمثل هذا، فالذي يُثبت لربه تعالى استواءً على عرشه ورحمةً وغضباً ووجهاً وقدرة وسمعًا وبصرًا وعلوًّا ونزولًا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، ويجعل كل ذلك لائقاً بعظيم ذاته وجلال قدره تعالى لا ترد عليه مثل الإشكالات، وفي مسائل كثيرة يكون المثَل في خلْقه تعالى مما يُرد به عليهم، فنقول هنا: ها هم الملائكة خزنة جهنم يُدخلون الكفار فيها، ويحرسونها، ويكونون فيها وقريبين منها ولا يتأثرون بنار جهنَّم فالاعتقاد بذلك في حق الله تعالى أولى، ولولا أن أولئك شبهوا الله تعالى بخلقه وشبهوا قدَمه وقبضته تعالى بقدَم وقبضة خلْقه لما وقعوا في ذلك التعطيل ثم التحريف.
* قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي – رحمه الله -:
إنما أراد الله بقوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هود/ 119، الذين حقَّ عليهم العذاب، ولها خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد غير معذبين بها، وفيها كلاب وحيات وعقارب، وقال (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ) المدثر/ 30 ، 31 ، فلا يدفع هذه الآيات قوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )، كما لا يدفع هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يضَعُ الجبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ )، فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يَدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخَّرها؟!.
” نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المرِّيسي ” ( 1 / 404 ).
فأهل السنَّة يؤمنون بما يسمعون من نصوص الوحي فيما بصفات ربهم تعالى، ويثبتونها على الوجه اللائق به عز وجل، ولا يعطلون تلك الصفات، ولا يحرفونها، ولا يكيفونها، ولا يمثِّلون الله بخلقه، ولا يسعهم غير قول ” سَمِعْنَا وَاعتقَدْنا ” ويعلمون أن ربهم تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ).
وروى الدارقطني عن العباس بن محمد الدُّوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلاَّم وذَكر الباب الذي يروى في الرؤية والكرسي وموضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وقُرب غِيَرِه وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمَه فيها فتقول : قط قط، وأشباه هذه الأحاديث: فقال: هذه الأحاديث صِحاح، حملَها أصحابُ الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمَه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يُفَسَّر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسِّره. ” الصفات ” للدارقطني ( ص 68 ، 69 ).
ومعنى ( قُرب غِيَره ): قُرب تغيّر الحال من الجدب إلى الخصب.
وما ذكرناه سابقًا هو التأصيل الصحيح في صفة القدم لله تعالى وصفة ” الوضع ” وهو منطبق على صفات الله تعالى وأفعاله كلها، ومنه ما جاء في السؤال من إخراج الله لطائفة من أهل النار لا يستحقون الخلود فيها بقبضته سبحانه وتعالى، فنثبت ذلك على اللائق بجلاله تعالى، ولا نخوض بالكيفية؛ لأن طريقها موصد.
والله أعلم.


