نبذة عن كتاب ” التوابين ” لابن قدامة، ووقفة مع قصة توبة ” ذي الرِّجل “

السؤال

قرأت في كتاب ” التوابين ” لابن قدامة عن أحد عبَّاد بني إسرائيل ويُدعى ” ذو الرِّجل “، أريد أن أعرف مدى صحة القصة من ناحية السند؟ وما رأيكم بالكتاب المذكور؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” التوابين ” من الكتب المشتهرة، وهو من تأليف الشيخ موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي رحمه الله ( توفي 803 هـ )، وقد ذكر فيه مائة وثلاثين قصة توبة، ابتدأها بذكر التوابين من الملائكة عليهم السلام، وذكر تحته قصة الملَكين ” هاروت وماروت ” ولا نراه وافق الصواب في ذِكر أن الملَكين وقعا في معصية ثم تابا، ثم ذكر التوابين من الأنبياء عليهم السلام، ثم التوابين من ملوك الأمم الماضية، ثم التوابين من الأمم، ثم التوابين من آحاد الأمم الماضية، ثم ذكر أخبار التائبين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة، ثم ذكر سبب توبة جماعة من هذه الأمة رحمة الله عليهم، ثم ذكر أخبار جماعة من التوابين، ثم ختم الكتاب بذكر أخبار جماعة ممن أسلموا.

والكتاب حقق نصوصه كثير من الشيوخ وطلاب العلم ودور النشر، ومن أبرز من قام على تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤط، وقد قال في مقدمة تحقيقه للكتاب – في بيان ذِكر مصادر المؤلف في كتابه ومنهجه فيه -:

وقد استمد رحمه الله أخبار كتابه هذا مما قصه الله تعالى علينا في كتابه المبين، ومما تحدث به نبينا الكريم مما هو مدون في الصحاح والسنن والمسانيد، كما اعتمد بعض الكتب التي تُعنى بالرقائق والوعظ مثل مصنفات الحافظ ابن أبي الدنيا المتوفى سنة ( 281 هـ ) ، و ” تنبيه الغافلين ” للإمام أبي الليث السمرقندي المتوفي سنة (373هـ‍ )، و ” ملتقط الحكايات ” للإمام ابن الجوزي المتوفي سنة ( 579 هـ )، وما سمعه من أستاذه المشهود له بالفضل والعلم والمعرفة الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة ( 561 هـ )، فكان هذا الكتاب أوفى وأوسع وأجمع من الكتب التي سبقته في موضوعه.

وغير خافٍ أن طريقة العرض التي اختارها المؤلف لسرد الأخبار في كتابه هذا مشوقة محببة، تحكيها صورة جذابة، وتشرحها جملٌ سهلة مألوفة، يجني القاري منها العبرة والفائدة في لطف ويسر واشتياق.

ولا شك أن مطالعته بحرارة وشوق توقظ في الإنسان التقوى التي تحمله على التقرب من الله وحده بما يقوم به من انسلاخ عن الرذائل وبعد عن أسبابها، ومن تحل بالفضائل والتماس أسبابها وميسراتها، جعلنا الله بمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

انتهى من ” مقدمة تحقيق كتاب التوابين ” ( ص 4 ، 5 ).

ولما كانت قصص الكتاب فيها حكايات توبة تائبين من الأمم السابقة وجدنا فيما ينقله المصنف رحمه الله ما يحتاج لتوقف ومراجعة ونقد؛ لما في بعض ما ينقله من نكارة في المتن وغرابة في السياق، ومخالفة للشرع وخصوصاً ما كان النقل فيه عن الأمم السابقة، كما في القصة موضع السؤال، ولذا رأينا انتقاد بعض العلماء لبعض ما جاء في الكتاب من قصص وحكايات، ومن هؤلاء المنتقدين السخاوي رحمه الله حيث قال:

في كتاب ” التوابين ” لشيخ الإسلام الموفق بن قدامة أشياء ما كنت أحب له إيرادها خصوصًا وأسانيدها مختلة.” الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ” ( ص 108 ).

ثانيًا:

وأما القصة التي رغب الأخ السائل السؤالَ عنها فقد ذكرها ابن قدامة رحمه الله تحت عنوان ” توبة ذي الرِّجل ” ثم قال:

أخبرنا محمد أنا علي بن محمد أنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا الحسين بن صفوان أنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن الحسين عن موسى بن داود عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث بذلك زمانًا طويلًا فأشرف يومًا فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهمَّ بها فأخرج رجله لينزل إليها فأدركه الله بسابقة فقال: ما هذا الذي أريد أن أصنع ورجعتْ إليه نفسه وجاءته العصمة فندم، فلما أراد أن يعيد رجله في صومعته قال: هيهات هيهات رِجل خرجتْ تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي لا يكون والله ذلك أبداً فتركها والله معلقة من الصومعة تصيبها الرياح والأمطار والشمس والثلج حتى تقطعت فسقطت فشكر الله عز وجل له، فأنزل في بعض الكتب ( وذو الرِّجل ) يذكُره بذلك. انتهى ( ص 79 ) القصة رقم ( 30 ).

وبالتأمل في القصة نجد:

  1. أنها حديث عن توبة عابد من عبَّاد بني إسرائيل ينقلها بعض التابعين، فليس ثمة إسناد يُمكن أن يُذكر ليتم الحكم على القصة من خلال النظر فيه، وأين ذاك الإسناد في الأصل الذي يربط بين تابعي وبين رجل من بني إسرائيل ؟! لكن ليس على من حدَّث عن بني إسرائيل حرج إذا أداه كما سمعه؛ فقد أذن بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسَبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه أحمد ( 18 / 94 ) وصحح المحققون.

* قال السيوطي – رحمه الله – في معنى الحديث -:

قال الشافعي: الحديث عن بني إسرائيل إذا حدثتَ به فأديته على ما سمعته حقًّا كان أو غير حق: لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يحدث به إلا عن ثقة. ” تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ” ( 72 ، 73 ).

  1. أنه يغلب على عبَّاد بني إسرائيل الجهل والضلال، ولذا لا يُستبعد – لو صحت القصة- عن ذاك العابد مثل ذاك الفعل المنكر.
  2. وفي القصة نكارة واضحة بيِّنة – لو صحت -، حيث عرَّض ذاك العابد رِجلَه للرياح والأمطار والثلوج والشمس حتى تلفت ثم قُطعت فسقطت! ولا ندري على أي شريعة يمكن أن تأتي بهذا الفعل للتائب الذي همَّ بالمعصية، ولا ندري كيف كان يشرب ويأكل ويصلي ويقضي حاجته ورِجله معلَّقة في الهواء! والذي يُعلم في عالم الطب والجراحة أن تعليق الرجل بتلك الطريقة المذكورة في القصة لا يكون معه قطع للرجل وإن حصل فإنه يستغرق وقتًا طويلًا، فهل يمكن لشخص أن يتحمل هذا كل تلك السنين ثم نعجب أن يُجعل ذلك من الشرع وأن يذكر الله تعالى قصته في بعض كتبه المنزَّلة! ولا ندري لم عاقب ذاك العابد الجاهل – لو صح عنه ما نقل في القصة – رِجله فقط! أليس ينبغي أن يعاقب عقلَه الذي فكَّر به بتلك المرأة وقلبَه الذي هواها وعينيه اللتين نظر بهما لها؟! بل إن تلك الأعضاء أولى بالعقوبة لأنها سابقة على حركة الرجل وهي السبب في معصية الرِّجل!.

والخلاصة:

الكتاب جيِّد من حيث الجملة، ولا يخلو من ملاحظات، والقصة منكرة في متنها، لا ينبغي نسبتها لشرع من قبلنا، ولو صحَّت فهي تليق بعابد جاهل لا بشريعة مُحكمة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة