حقيقة المذاهب الفقهية وأصل وجودها، وهل المسلم مُلزم باتباع أحدها؟
السؤال
لقد ولدت مسلما ولدي سؤال عن الإسلام: هناك العديد من المسلمين يسألونك على أي مذهب أنت ( سني أم سلفي أم غير ذلك )، فهل عليَّ كمسلم أن أنتمي لأي من هذه المذاهب؟ إذا كنت تؤمن بالله ورسوله وتؤدي الصلوات الخمس وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت أليست هذه شروط الإسلام دون التزام بمذهب أو غير ذلك؟ وقد سمعت العديد من المسلمين يحرمون سماع أحد الخطباء لأنه لا يتبع أي مذهب.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ليس في تشريعات الإسلام وأحكامه ما يوجب على المسلم أن ينضم تحت مظلة مذهب من المذاهب الفقهية المتنوعة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرها، بل وأصحاب المذاهب نفسها لم يدْع واحدٌ منهم أحدًا ليكون تابعًا له مقلدًا لفتواه، بل وقد صح عنهم كلمات رائعات في التحذير من تقليدهم وصح عنهم الوصية بالأخذ من كتاب الله تعالى ومن سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن تعلم أن الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم ليس يُعرف في زمانهم مثل هذا التمذهب، ولا التابعون، ولا أتباعهم، وهذه هي خير القرون، بل وأصحاب المذاهب أنفسهم لم يكونوا متمذهبين! وإلا فما هو مذهب الشافعي نفسه ؟ وما هو مذهب مالك نفسه ؟ لقد كان مذهبهم اتباع نصوص الوحي والتفقه في فهمها وفق ما وقفوا عليه من أقوال الصحابة والتابعين ووفق ما رزقهم الله من بصيرة ودراية، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه ” مذهب أهل الحديث ” وعليه أمثال البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وألوف مثلهم.
ومن حكمة الله تعالى أنه أراد رفع شأن طائفة من أولئك الأئمة – وهم الأئمة الأربعة – وأن يجعل لهم ذِكرًا حسنًا بين النَّاس فسخَّر لهم تلامذة يأخذون عنهم علمهم ويدونونه وينشرونه، وجاء بعدهم من أتباعهم أئمة فقه وحديث فصارت هذه المذاهب مدارس فقهية لها حضورها في حياة الناس، وانتشرت بحسب قوة وكثرة وشهرة أتباع كل مدرسة، وبحسب تبني الحكَّام لأحد تلك المذاهب.
وهذا كله لم يغيِّر من الحكم الشرعي الأصيل وهو أن المُسلم لا يُلزم باتباع مذهب من المذاهب الفقهية السابقة ولا غيرها، ولا مانع من دراسة الفقه وفق منهج أحدها لكن لا يحل لمن عرف أن الحق مع غير صاحب المذهب أن يبقى على الخطأ بل يجب عليه اتباع الصواب، ولذا فقد انتشرت الآن – بفضل الله – مدرسة ” الفقه المقارن ” فصارت تُعرض المسألة على الطلاب بأدلتها وأقوال العلماء ثم تناقش تلك الأدلة والأقوال ويرجَّح في نهاية المطاف بينها حتى يُعلم القوي منها من الضعيف، والصواب منها من الخطأ، وعلى هذا المنهج تسير الجامعات وتُكتب المؤلفات، وعليه يسير فقهاء العالَم وعلماؤه في مؤتمراتهم ومجالسهم الفقهية ولجان الفتوى في غالب بلدان العالَم.
وبما ذكرناه يتبين لك أصل وجود المذاهب، وحقيقتها، وأنك غير ملزم باتباع أحدها، وفي الوقت نفسه فإن غالب المسلمين لا يستطيعون الأخذ مباشرة من الكتاب والسنَّة فيحتاجون لعلماء يسألونهم ويستفتونهم، وهذا المسلم غير ملزم بسؤال عالِم معيَّن، بل له أن يسأل كلَّ من يظن فيه خيرًا من حيث علمه ودينه، وقد يتنوع الأخذ عن أولئك بحسب المتيسر مشافهة، وقراءة, وسماعًا، ومشاهَدة، والأمر واسع غير مضيَّق على أحد بفضل الله.
وبه يتبين أن القائل بعدم حضور الجمعة عند المتبعين للنصوص والآخذين من الأئمة جميعهم ما يرونه صواباً موافقاً للكتاب والسنَّة: خطأ في القول وخطأ في الحكم، وهذا تفريق بين المسلمين ليس له وجه في شرع الله تعالى، فعلى قائل ذاك القول التوبة والكف عن القول على الشرع بما ليس بحق، والكف عن زرع الفُرقة بين المسلمين، وخاصة إن كانوا في بلاد الغُربة، وبالأخص إن كانوا في بلاد الكفر.
ثانيًا:
ولا بدَّ من التنبيه على أننا نعني بما سبق المذاهب الفقهية المتعلق أمرها بمسائل الفقه، ولسنا نعني به المذاهب الاعتقادية كالشيعة والأشاعرة وغيرهما من المذاهب العقائدية المخالفة لاعتقاد الصحابة والتابعين واعتقاد أئمة الفقه والحديث، وهم بالضرورة مخالفون للكتاب والسنَّة، فهنا لا خيار للمسلم ليتبع ما يشاء بل هو مُلزم باعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ إذ لا خير في اتباع غيرهم، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بضلال كل فرقة ومذهب وطائفة خالفت ما عليه أولئك الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان.
ثالثًا:
وقد احتمل سؤال السائل في نظرنا الاختلاف الفقهي والعقائدي – والأول أقرب لمراده -، وقد سبق منا بيان الشأن فيهما بما يتناسب مع طبيعة أجوبة الموقع.
والله أعلم.


