وجدوا ذهبًا في بيتهم لقريبهم فجاء بعد شهر ليأخذه فوجده مفقودًا، فماذا يلزمهم؟
السؤال
ترك أحد أقربائنا ذهبها في بيتنا مغطى في ورق قديم بدون معرفتنا أو علمنا، وقد وجدنا الذهب مؤخرًا، وأخبرناه بذلك، ولكنه أتى بعد شهر، وكنَّا قد فقدنا الذهب، فأبي رجل كبير ولديه مشكلة في ذاكرته ونحن نتوقع أن يكون ألقاهم هنا أو هناك معتقدًا أنها ورقة قديمة، ونحن نريد أن ندفع له نصف ثمن الذهب ولكن الذهب قد تضاعف ثمنه الآن فيكون دفع نصف ثمنه بمثابة دفع المبلغ بأكمله، فهل علينا أن ندفع قيمته وقت شرائه أم وقت بيعه؟.
الجواب
الحمد لله
هذا الذهب الذي وجدتموه في بيتكم والعائد لقريبكم هو ” لُقَطة ” يجب إرجاعه لصاحبه، ويدُكم عليه يدُ أمانة، فهو عندكم ” وديعة ” في الأصل؛ لحديث زَيْد بْن خَالِدٍ الْجُهَنِي قال: قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ) رواه مسلم ( 1722 ).
فلما عُرف صاحبُه وكان قد طلب منكم إبقاءه عندكم حتى حضوره: صار الذهب ” وديعة ” في الحقيقة والحُكم، فصار حكم هذا الذهب في حال فقدانه على حالين:
الأول: أن يكون قد ضاع من غير تعدٍّ ولا تفريط منكم، ففي هذه الحال لا ضمان عليكم.
الثاني: أن يكون قد ضاع بسبب تعدٍّ أو تفريط منكم، ففي هذه الحال تضمنونه؛ وسبب ذلك: أنه كان الواجب عليكم حفظه في المكان الذي تحفظون فيه مثله من أموالكم ومجوهراتكم.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
الوديعة أمانة فإذا تلفت بغير تفريط من المودَع : فليس عليه ضمان سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، هذا قول أكثر أهل العلم…..
فأما إن تعدى المستودَع فيها أو فرَّط في حفظها فتلفت: ضمِن بغير خلاف نعلمه؛ لأنه متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع. ” المغني ” ( 7 / 280 ).
ومعنى ” التعدِّي “: فعل ما لا يجوز.
ومعنى ” التفريط “: ترك ما يجب.
والذي كان يجب عليكم في حال وجودكم لذلك الذهب أن تحفظوه في المكان الذي تحفظون فيه ذهبكم، لا أن تجعلوه في ورقة قريبًا من أيدي الناس.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فليس حِرز الذهب والفضة كحرز الأواني، فالأواني تودَع في ظاهر البيت في الحُجَر والغرف بدون أغلاق وثيقة، والذهب والفضة في الصناديق في أغلاق وثيقة.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 288 ).
وتأخر قريبكم شهرًا حتى جاء إليكم لا يؤثر في الحكم بل هو مطمئن أن ما وجدتموه فستحافظون عليه حفاظكم على أموالكم الثمينة.
فالذي يظهر لنا أنه قد حصل منكم تفريط في حفظ ذلك الذهب – اللقَطة – فيلزمكم ضمانه، والأصل في الضمان: المماثلة فيما هو مِثلي، والقِيمة فيما ليس له مماثل.
* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -: والقاعدة عندنا في ضمان المُتلفات: ” أن المِثلي يُضمن بمثله، والمتقوَّم يُضمن بقيمته ” لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم ( إناء بإناء وطعام بطعام ) في قصة معروفة، وهي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان عند إحدى زوجاته – رضي الله عنهن – فأرسلت الزوجة الأخرى خادمها بطعام في صحفة، فدخل الخادم بالطعام والصحفة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في منزل الضرَّة، فأصابتها الغَيرة، فضربت بيد الخادم حتى سقطت الصحفة وانكسرت، فأخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم طعام المرأة التي هو عندها وصحفتها وأعطاها الخادم، وقال: ( إناء بإناء، وطعام بطعام) فهنا ضُمِن بالمثل؛ لأن هذا مثلي.
لكن في الإعتاق لما بيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن من أعتق شِركاً له في عبد سرى عتقه إلى نصيب شركائه قال: ( وقُوِّمَ عليه قيمة عدل ) فأوجب القيمة؛ لأنه ليس مِثليًّا، يتعذر فيه تحصيل المثل فهو متقوم. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” (10 / 119 ، 120 ).
فإذا وُجد في السوق قطعة تماثل القطعة الذهبية لقريبكم: فيُخيَّر بين إحضارها له شراءً لها أو أخذ ثمنها الذي في السوق، وإن لم يوجد لقطعته مماثل في السوق: فتُقدَّر قيمة القطعة الذهبية وقت ضياعها ويُعطى مبلغها.
* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
والمعتبر: زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملك صاحبها عنها فيه، أي: في وقت التلف. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 122 ).
هذا ما يجب عليكم أداؤه تجاه ذاك القريب إلا أن يعفو عن حقه بالكامل أو عن جزء منه، وهو ما نوصيه به، وهو العفو عن جزء من حقِّه، وليرضَ بذلك فهو خير له؛ لتبقى المودة بينه وبين أقربائه ولا يشوبها شائبة تقطع أوصالها.
والله أعلم.


