هل يجوز للمعتدة من وفاة زوجها أن تخرج لاستقبال المعزين في غير بيتها؟
السؤال
امرأة توفي زوجها ولها أولاد، وتسكن في حي يبعد عن المدينة التي يقيم فيها أهلها وأهل زوجها أكثر من مائة كيلو متر.
نحن عندنا في ” ليبيا ” أن الزوجة إذا مات زوجها فإن إقامة مكان العزاء هو بيت والد الزوج ( بيت العائلة ) وكل من يأتي لتقديم واجب العزاء يأتي إلى بيت العائلة, السؤال: في الأيام الأولى لوفاة الزوج أين تمكث هذه الزوجة المتوفى عنها زوجها هل في بيتها البعيد عن أهل الزوج وأهلها أم تمكث أينما يكون مكان العزاء ثم تكمل العدة في بيتها أم ماذا؟ مع العلم أن الزوج لظروف عمله أقام في ذلك الحي الذي يبعد عن المدينة.
هذه المشكلة كثيرًا ما نتعرض لها, فرجاء الاهتمام والرد بشرح وافٍ.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
المرأة المعتدة من وفاة زوجها يجب عليها أن تمكث في بيت الزوجية فترة عدتها، فإن كانت حاملاً فحتى تضع حملَها؛ لقوله تعالى وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ 4، وإن كانت غير حامل فأربعة أشهر وعشرًا؛ لقوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) البقرة/ 234.
وهذا الأجلان هما المرادان في الحديث الصحيح الذي يأمر المرأة بالمكوث في بيتها حتى ينقضيان.
عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأُخْتَهُ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ رضي الله عنها:( امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). رواه الترمذي ( 1204 ) وأبو داود ( 2300 ) والنسائي ( 200 ) وابن ماجه (2031) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
ولا يحل للمرأة المعتدة من وفاة أن تخرج من بيتها إلا لحاجة في النهار وضرورة في الليل.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشرًا، وتجتنب الزينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنهار إلا لحاجة ولا بالليل إلا لضرورة ….
ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة: مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك.
وهذا الذي ذكرتُه هو سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ونساؤه صلى الله عليه وسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 27 ، 28).
وإذا كان خروج المرأة للحج لا يعدُّ من الأسباب المبيحة لخروجها في عدة وفاتها فأولى أن يكون خروجها لاستقبال المعزين في بيت والد زوجها.
* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟.
فأجاب:
ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة.
” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 29 ).
ثانيًا:
والأصل أن يقصد المعزون من محارمها والمعزيات من النساء الزوجة بالعزاء لا أن تذهب هي لبيت غيرها لاستقبالهم هناك، وهذا هو الذي كانت تفعله الصحابيات ومن تبعهن بإحسان.
عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ). رواه البخاري ( 5101 ) ومسلم ( 2216 ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار.
” فتح الباري ” ( 3 / 168 ).
وعليه:
فلا يجوز للمرأة التي توفي عنها زوجها أن تخرج من بيتها لبيت آخر إلا لظروف خاصة قد بيَّنها العلماء.
* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:
فإن خافت هدما أو غرقًا أو عَدوًا أو نحو ذلك أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريَّة: رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديًّا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجرة المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها: فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذلك أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى: سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت، ذكره القاضي. ” المغني ” ( 9 / 172 ).
وما عداه: فإنها تلزم بيتها حتى تنتهي عدتها، وليس استقبال المعزين والمعزيات بعذر في خروجها من منزلها لمنزل آخر.
والله أعلم.


