يُظهر الإسلام ولا يحضر إلى المسجد إلا قليلا فهل نسيء الظن به؟
السؤال
رجل يدعي الإسلام وهو من دولة أوربية، ولكنه لا يحضر إلى المسجد إلا نادرا, وعندما أكلمه أني لا أراك تحافظ على وقت الصلاة يقول: إنه يصلي في البيت، مع العلم أنه ما زال يحمل إقامة وجواز مسيحي، ويقول: إن لديه شهادة تثبت أنه مسلم، فما هو واجبنا تجاه هذا الرجل؟
الجواب
الحمد لله
يجب على من ينتسب للإسلام أن يُظهر شعائره ويقيم شرائعه؛ ولا يكفي الزعم أنه من المسلمين، وللأسف أن هذا الحال ليس عند – فقط – المسئول عنه وأمثاله، بل حتى عند كثيرٍ من المسلمين المنتسبين للإسلام، حتى إنك لا تكاد تعرف أحدهم أنه مسلم إلا من اسمه، بل حتى إن أسماء كثيرين أصبحت تشابه أسماء الكفار.
وهذا الذي يحضر إلى المسجد ممن يدَّعي الانتساب إلى الإسلام يُصدَّق في قوله، وليس لنا إلا ما ظهر من الناس، ولم يأمرنا ربنا أن نشق على قلوب الناس، وليس ذلك في مقدور أحدٍ أصلا.
والأصل في الإسلام: قبول من شهد الشهادتين وانتسب للإسلام، لكن هذا لا يكفي للاستمرار في الإسلام، بل هي المفتاح للدخول.
عن أبي هريرة قال: قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله “؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
رواه البخاري ( 6526 ) ومسلم ( 20 ).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وفيه: منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها, وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح: لا, بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر, فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه, وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء به بقوله: ” إلا بحق الإسلام ” … .
وقال الخطابي: في الحديث أن من أظهر الإسلام أجريت عليه أحكامه الظاهرة ولو أسر الكفر في نفس الأمر.
ومحل الخلاف إنما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا؟ وأما من جهل أمره فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه.
” فتح الباري ” ( 12 / 279 ، 280 ).
وبما أنك لم تطلع على اعتقاد فاسد عند الرجل، ولم يأتِ بناقض للإسلام فليس لأحدٍ أن يطعن في انتسابه للإسلام، والأصل السلامة والبراءة.
واقرأ هذا الحديث وتمعن فيما جاء فيه من حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن الوليد ففيه فائدة.
عن أبي سعيد الخدري قال: … فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا, لعله أن يكون يصلي، فقال: خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم.
رواه البخاري ( 4094 ) ومسلم ( 1064 ).
– غائر العينين: عيناه داخلتان في موضعيهما.
– مشرف الوجنتين: غليظ أعلى الخدين.
– ناشز: مرتفع.
وعن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمِنَّاه وقرَّبناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة. رواه البخاري ( 2498 ).
ولا شك أن الصلاة هي خير أعمال المرء، فبما أنكم رأيتموه يصلي وقد أظهر لكم الشهادتين فيجب أن يؤمَّن ويُصدَّق، وفيما سبق من الأدلة كافٍ لإثبات ما قلناه، فأكرموا الرجل وأعينوه على تطبيق شعائر الدين، وعلموه أحكام الشريعة، وأظهروا له خلق الإسلام، فلو كان غير صادق فلعله أن يتأثر ويصدق في ظاهره وباطنه.
والله أعلم.


