ماذا يصنع من استعار كتبًا وأشرطة تحتوي على مواد مخالفة للشرع؟

السؤال

إذا كان لديَّ بعض الكتب والاسطوانات وأشياء أخرى أخذتها من المدرسة أثناء الدراسة، فهل عليَّ أن أردَّ هذه الأشياء إلى المدرسة مع العلم أنها تحتوي على أشياء محرمة بداخلها، مثل صور للكافرين ونظرية النشوء وما شابه؟ كيف يمكن أن أتخلص من هذه الأشياء؟ وهل تخلصي منها يعني سرقتي لها؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

عظَّمت الشريعة المطهرة أداء الأمانات إلى أهلها وجعلت ذلك من الواجبات الشرعية، قال الله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) النساء/ 58، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ ) رواه الترمذي ( 1264 ) وأبو داود ( 3534 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

واستعارة الكتب داخلة في باب ” الأمانة “، ويد المستعير ” يد أمانة “، ويضمن المستعير العارية إن تلفت منه بتعدٍّ أو تفريط، ويضمن المثلي بمثلي مثله والمتقوَّم يُضمن بقيمته وقت تلفه.

ثانيًا:

– وثمة تفصيل بخصوص ما استعرتَه من كتب واسطوانات من مكتبة مدرستك على النحو الآتي:

أما بخصوص الكتب:

  1. فإن كان ما اشتملت عليه هو صور للكافرين فليس هذا منكر يوجب عليك التخلص منها ويمنعك من إرجاعها، والصور الفوتغرافية داخل الكتب غير مقصودة لذاتها، فلا نراها منكرًا، إلا أن تكون صور نساء فيعالج أمرها بطمسها، وعليك بعد ذلك إرجاع الكتب إلى مكانها الذي أخذتها منه.
  2. وأما إذا كانت تلك الكتب تشتمل على منكرات ومحرمات مثل كتب البدع والسحر والفحش والروايات الساقطة ولا يمكن التعليق على ما فيها من مخالفات لكثرتها وتنوعها: فلا يجوز لك إرجاعها وعليك مباشرة إتلافها لئلّا تقع في يد أحدٍ تفتنه في دينه أو خلقه، وهذا من تغيير المنكر باليد وهو واجب لمن استطاعه من غير أن يقع عليه ضرر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمان ) . رواه مسلم ( 49 ) .

* قال ابن القيم – رحمه الله -: ” وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها، قال المرُّوذي: قلت لأحمد – أي: ابن حنبل – استعرتُ كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أن أَخرقه أو أَحرقه؟ قال: نعم فاحرقه ” انتهى من ” الطرق الحكمية ” ( ص 399 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذا شخص يسأل ويقول: في أحد مكتبات المساجد كتبٌ فيها بدع، وكتب فيها صور، ويقال: إن أصحابها جاءوا بها وقفًا على هذه المكتبة! فماذا نفعل بهذه الكتب التي في المكتبة وهي مكتبة أحد المساجد؟.

فأجاب:

الواجب على القائمين على مكاتب المساجد إذا رأوا كتبًا فيها بدع أو فيها صور فاتنة: أن يحرقوا هذه الكتب، وألا يبقوها في أيدي الشباب؛ لأنها تضرهم من ناحية العقيدة، وتضرهم أيضًا من ناحية الأخلاق فيما يتعلق بالصور، حتى وإن كان صاحبها أوقفها، لكن إن كان صاحبها حيًّا فينبغي أن يُبلَّغ، ويقال: إن هذا لا يحل لك أن تجعله في المكتبة، ونرى أن تشتري بدله من الكتب المفيدة.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 93 / السؤال رقم 2 ).

  1. وإما إذا كان في تلك الكتب مواضع معينة فيها زلل واضح وضلال بيِّن: فنرى أن براءة الذمة تكون بالتعليق على الكتاب عند ذلك الموضع بما فيه نصح وبيان للقارئ بعدك، وبذلك تبرأ ذمتك، ومن ثمَّ تُرجع الكتاب إلى أصحابه، فهذه الكتب ترجع لأصحابها في حالين:

أ. أن تكون الأخطاء في مسائل قطعية – كنظرية النشوء ومثيلاتها – لكنها يسيرة، فينبَّه على خطئها وضلالها .

ب. أن لا تكون الأخطاء التي يعلَّق عليها مما وقع فيه خلاف معتبر بين أئمة الإسلام، كمسائل الفقه العملية والخلاف في تصحيح الأحاديث.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد بلغنا أن بعض الناس يستعير كتباً حديثية أو فقهية من المكتبات ثم يحشِّي عليها، فيكتب: القول الراجح كذا وكذا، وهو قول مرجوح، أو هذا القول الذي في الكتاب باطل، أو يقول: إنه بدعة؛ لأن بعض الناس يظنون أن خلاف الفقهاء – رحمهم الله – يكون المخالف فيه – لما يظن أنه خلاف النص – مبتدعًا، ولو سلكنا هذا المسلك لكان كل الفقهاء مبتدعة إلا في مسائل الإجماع؛ لأنك تقول : خالفتني فأنت مبتدع، وأنا أقول: خالفتني فأنت مبتدع، ويبقى الفقهاء كلهم مبتدعين إلا في مسائل الإجماع، وهذا ما قال به أحد أبدًا ولن يقول به أحد، هذه مسائل اجتهادية، يرى أحد من العلماء أن هذا واجب والثاني يقول: غير واجب، فهل نقول هذا مبتدع؟! …:” الشرح الممتع على زاد المستقنع” ( 10 / 131 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص الاسطوانات والأشرطة: فما كان منها يحتوي على أغاني وأفلام فيها منكرات ومخالفات للشرع: فلا يجوز لك إرجاعها لمكتبة المدرسة، وعليك مباشرة إتلافها لئلّا تقع في يد أحدٍ يكون سبباً في نشرها، لكنْ للمكتبة عليك حقٌّ في قيمة الاسطوانات والأشرطة فارغة؛ حيث إن مثل الاسطوانات والأشرطة تعامل من جهتين: من جهة المادة المحرَّمة التي عليها، ومن جهة كونها فارغة، فأمّا المادة المحرَّمة التي عليها فلا تُضمن بإتلافها لأنها هدَر، وأما الاسطوانات والأشرطة فارغة فهي من حق أصحابها، فأنت بين خيارين : إما أن تبذل قيمتها فارغة للمدرسة بطريقة لا يُعرف فيها سبب بذل هذا المال خشية أن يعود ذلك عليك بالضرر، أو أن ترجع للمدرسة اسطوانات وأشرطة بمثل نوعية التي استعرتها منهم أو أجود لكن تكون موادها المسجلة عليها مواد شرعية كدروس ومحاضرات علمية، أو مواد مباحة كأفلام وثائقية أو أناشيد أو ما شابه ذلك، ونحن نختار لك الخيار الثاني لما فيه من خير من وجوه كثيرة:

  1. أن لا تسبب لنفسك حرجاً بإرجاع بدل الاسطوانات والأشرطة أموالاً فتتعرض للمساءلة أو يصعب عليك إعطاؤهم ذلك المال.
  2. أنه يُخشى أن يشتروا بذلك المال اسطوانات وأشرطة عليها مواد محرَّمة، وقد تكون أفسد من الأولى.
  3. أن يستفيد المستعير الثاني بعدك خيرًا كثيرًا وعلمًا نافعًا من الاسطوانات والأشرطة النافعة المفيدة التي ستضعها بدلًا من تلك المحرمة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة