هل فعل الكبائر يمنع قبول الطاعات؟

السؤال

أنا مسلمة عمري ( 23 سنة ) ، ولكن تملَّكني الشيطان فترة، وارتكبت الكبائر، ولكني الآن نادمة، ولجأت إلى الله، وتبت إليه، ولكن سمعت أنه لا ينفع لي صوم ولا صلاة لأني فعلت أكبر الكبائر، فهل هذا صحيح؟ وهل فعلًا أن الله لن يقبل توبتي؟.

الجواب

الحمد لله

نحمد الله تعالى أن وفقكِ للتوبة، ونسأله عز وجل أن يثبتكِ على دينه، وأن يحسن عاقبتكِ، واعلمي أنك في نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر الله تعالى، فكم من عاصٍ مات ولم يتب، وكم من ضال هلك قبل أن يرجع إلى ربه، ولا شك أن توفيق الله لك للتوبة أمر عظيم في حياتك فينبغي أن يكون هذا الوقت وقت انطلاق في الطاعة وبذل لمزيد من الجهد في العبادة.

واعلمي أن ما سمعتيه من عدم قبول التوبة والصلاة والصيام لمن عمل الكبائر قول منكر، وهو قول على الله بغير علم، فقد استقر عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يقبل من عبده في الدنيا التوبة من جميع الذنوب مهما عظمت، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يحول بين العبد وبين التوبة مهما بلغت ذنوبه كثرة وعظمة، وأما الآخرة فإن الله تعالى لا يغفر الشرك لصاحبه، وما عداه من الذنوب قد يغفره الله له، وهذا لمن لقيه بها من غير توبة أو إقامة حدٍّ، وما قلناه لكِ هو ما جاء في القرآن والسنة وأجمع عليه أهل السنة من غير خلاف بينهم.

قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزمر / الآية 53 ] .

وقال عز وجل – في بيان مغفرته لأعظم الذنوب -: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ] .

وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعا – ولو كانت شركا – بل إن فيها بيانا لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب, بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) ، وهذه الآية عامَّة مطلقة؛ لأنَّها للتائبين!، وأما قوله: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فإنها مقيَّدة خاصَّة؛ لأنَّها في حق غير التائبين! لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله تعالى.  مجموع الفتاوى ( 2 / 358 ).

وقال – رحمه الله – أيضا –:

وقد قال تعالى في كتابه: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره! كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا ) فهنا عمَّم وأطلق؛ لأن المراد به التائب! وهناك خصَّ وعلَّق.

( 7 / 484 ، 485 ).

وقال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) [ النساء / الآية 48 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما .

وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب: غفر له، كقوله: ( إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحا ) الآية، فإن الاستثناء راجع لقوله: ( والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ) وما عطف عليه؛ لأن معنى الكل جمع في قوله: ( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ) الآية، وقوله: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف ) … ” أضواء البيان ” ( 1 / 290 ، 291 ).

فاحرصي على العبادة والطاعة، واندمي على ما فات من تفريط ومعاصي، واعلمي أن الله تعالى غني عن عباده ومع ذلك يفرح لتوبتهم، فهو الذي وفقهم وهداهم، وهو غني عنهم، ومع ذلك يفرح بتوبتهم ويقبلها منهم، بل ويبدل سيئاتهم حسنات.

 

– ونسأل الله تعالى أن يعينكِ على ذِكره وشكره وحسن عبادته.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة