معنى ” لزم ” في حديث ( من لزم الاستغفار ) وأيهما أفضل الاستغفار أو الصلاة على النبي؟

السؤال

كثيرا ما سمعت مِن العلماء مَن يقول: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ومن كل همٍّ فرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب )، وتأكدت من صحة الحديث من موقع ” الدرر السَّنيَّة “:

الراوي : عبد الله بن عباس، المحدث: عبد الحق الإشبيلي، المصدر: ” الأحكام الصغرى ” الصفحة أو الرقم: 892 ، خلاصة حكم المحدث: [ أشار في المقدمة أنه صحيح الإسناد ].

فأريد أعرف كيف ألزم الاستغفار؟ هل المقصد طول اليوم، أم مثله مثل أذكار الصباح والمساء؟ وأيهما أفضل الاستغفار أم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الحديث المذكور في السؤال ضعيف الإسناد.

وقد ذكرنا فيما سبق أنه وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن معناه صحيح، وقد جاء ما يشهد له، وهو في فضائل الأعمال التي لها أصل في الشريعة.

ثانيًا:

ومعنى ( لزم ) أي: أكثر، وقد جاء ذلك موضحا في رواية أحمد في ” مسنده ” (4 / 104 ) بلفظ ( مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ )، ولفظ الحديث في ” مستدرك الحاكم ” (4/291 ) ( مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارِ ).

وقد بعض الشراح إنه بمعنى ” داوم “، كما قاله السيوطي في ” حاشية سنن ابن ماجه ” ( حديث 3819 )، وقد جمع بينهما الشيخ العثيمين بقوله: ” ( ومن لزم الاستغفار ) يعني: داوم عليه وأكثر منه “. انتهى من ” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 715 ).

ثالثًا:

وأما قولك ” وأيهما أفضل الاستغفار أم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟”: فالذي ينبغي للمسلم أن يجمع بينهما؛ إذ ليسا هما من باب واحد مشترك حتى يكون ثمة مفاضلة، وفي كلٍّ خيرٌ لقائله، ونرى أنه إذا كان ثمة ذنب وقع فيه المسلم: فالاستغفار بعده أولى من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى – في وصف المحسنين – ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/135.

وأما إذا لم يكن ثمة ذنبٌ وكان لا بدَّ من تفضيل أحدهما على الآخر فنقول: إنه وإن ثبتت أحاديث كثيرة ترغِّب بالاستغفار، وأخرى ترغِّب بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نرجِّح الاستغفار على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لسببين:

السبب الأول: أن أحاديث فضائل الاستغفار أكثر، على أننا ننبه إلى أنه ينبغي أن يتحقق في الاستغفار أمران:

الأول: أن يصاحبه توبة وندم لا أن يكون مجرد لفظ يقال باللسان.

الثاني: أن تستعمل الصيغ الشرعية الثابتة بالكتاب والسنَّة؛ لأن تلك الصيغ ترتب عليها تلك الفضائل المشار إليها، وفيها من توحيد الله تعالى والاعتراف بالتقصير ما يجعلها تحوي ما هو أكثر من مجرد طلب المغفرة، كمثل حديث ” سيد الاستغفار ” وغيره مما أحلنا على الاطلاع عليه قريبًا.

السبب الثاني: أن الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم هو الاستغفار، وقد ثبت أنه كان يستغفر ربَّه في اليوم الواحد بل وفي المجلس الواحد مائة مرة.

ويرى بعض أهل العلم أن ” الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم ” أجمع معنى وأكثر فضلاً من ذِكر الاستغفار؛ إذ من فضائلها مغفرة الذنوب وكفاية همِّ الدنيا والآخرة، وفيها الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم.

عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ ( مَا شِئْتَ ) قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ ( إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ ). رواه الترمذي ( 2457 ) وحسَّنه، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وهذا الحديث لو كان صحيحًا ثابتًا لا مطعن فيه لكان مرجِّحاً للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الاستغفار.

والخلاصة في هذه المسألة:

  1. يقدَّم الاستغفار بعد الذنب على الصلاة على النبي صلى الله عليه.
  2. إذا كان لا بدَّ لنا من ترجيح فإننا نرجح الاستغفار لسببين ذكرناهما سابقًا، والسبب الأول له شروطه.
  3. مَن يرى صحة حديث أبي بن كعب فتقديمه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الاستغفار له وجه قوي.
  4. لكلا الذِّكرين فضائل متنوعة وكثيرة، فليحرص المسلم على الجمع بينهما، وهذا الراجح عندنا؛ جمعًا بين كل النصوص، وتحصيلاً لكل الفضائل.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة