من هو المسكين الذي يُعطى فدية الصيام؟ وكم؟ وماذا يُعطى؟
السؤال
يقول الله تعالى في كفارة العجز عن الصوم: ( فدية طعام مسكين ), فهل يشترط في هذا المسكين البلوغ والتكليف؟ وهل لو أراد الإنسان أن يطعم ثلاثين مسكينًا, هل يدخل أبناء المسكين ومن يعول في العدد؟ وهل يجزئ بدل الطعام مال؟ وكيف يقدر هذا الإطعام؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
لا يجوز لأحدٍ يقدر على الصيام من غير وجود مانع شرعي أن يفطر، ولا يجوز لكل من يفطر برخصة من الشرع أن يطعم مقابل كل يوم أفطره، وإنما الإطعام للشيخ الكبير والمريض مرضاً مزمناً لا يُرجى شفاؤه.
قال الله تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) [ البقرة / من الآية 184 ].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رواه البخاري ( 4505 ).
والمريض الذي لا يرجى شفاؤه حكمه حكم الشيخ الكبير.
قال ابن قدامة – رحمه الله -:
وَالْمَرِيضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ: يُفْطِرُ, وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا; لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ. ” المغني ” ( 4 / 396 ).
ثانيا:
وأما المسكين الذي يجوز دفع طعام الفدية له: فقد اختلف العلماء في الشروط الواجب توافرها فيه على أقوال، والذي ترجح لنا أنه يشترط في المسكين الذي يُطعم هذه الفدية أربعة شروط:
أ – أن لا يكون من تصرف إليه الكفّارة ممّن يلزم المكفّر نفقته, كالأصول والفروع، إلا إذا كان فقيرا لا يستطيع أن ينفق عليهم فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إعطائهم الكفارة، وهو قول صحيح.
ب – أن يكونوا مسلمين, فلا يجوز عند الجمهور إطعام الكافر من الكفّارات ذمّيًّا كان أو حربيًّا, وبذلك قال الحسن, والنخعي، والأوزاعي، ومالك, والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد.
ج – أن لا يكون هاشميًّا, لأنّ اللّه تعالى جعل لهم ما يكفيهم من خمس الغنائم، فإن توقف هذا المصدر ووجدت الضرورة فيُعطون من الزكاة والكفارات.
د – كونه يأكل الطعام ولو كان صغيراً، والمهم أنه لا يدخل فيه الرضيع، وهو قول الخرقي والقاضي وابن قدامة من الحنابلة، وهو ظاهر قول مالك.
وقد جاء اللفظ في كتاب الله تعالى – في كفارة اليمين – ( إِطْعام عَشَرَة مَسَاكِين )، وفي فدية الإفطار بعذر ( طَعَامُ مِسْكِين ) .
قال ابن قدامة:
وهذا يقتضي أكلهم له، فإذا لم تعتبر حقيقة أكله: اعتبر إمكانه ومظنته, ولا تتحقق مظنته فيمن لا يأكل؛ ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته لجاز دفع القيمة ولم يتعين الإطعام، وهذا يقيد ما ذكروه. انظر: ” المغني ” ( 10 / 3 ، 4 ) و ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 101 – 103 ).
ثالثا:
وأما الذي يُطعم ومقداره: فكل ما يسمَّى طعاماً من أرز أو تمر أو شعير أو لحم أو دجاج، ومرجع التقدير في ذلك: العرف في حال كونه طعاماً يؤكل كغداء أو عشاء، وإن دفع تمرا أو برًّا فليدفع ” نصف صاع ” وهو ما يعادل كيلو ونصف تقريبا.
فقد روى البخاري – معلقا بصيغة الجزم – في كتاب التفسير، بَاب قَوْلِهِ” ( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ … ) عَن أَنَس بن مَالِك – رضيَ الله عنه – أنه بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. انتهى.
– واستدلوا لنصف الصاع بما ثبت من كفارة فدية فعل المحظور في الحج.
عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: ” حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ.
رواه البخاري ( 1721 ) ومسلم ( 1201 ).
رابعا:
وهل يجوز إعطاء قيمة الطعام للمسكين نقدا؟ فيه خلاف، والصحيح: أنه لا يجوز دفع قيمة الطعام مالا.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
والإطعام لا يكون بالنقود كما ذكرت، وإنما يكون الإطعام بدفع الطعام الذي هو قوت البلد؛ بأن تدفع عن كل يوم نصف الصاع من قوت البلد المعتاد، ونصف الصاع يبلغ الكيلو والنصف تقريبا.
فعليك أن تدفع طعاما من قوت البلد بهذا المقدار الذي ذكرنا عن كل يوم، ولا تدفع النقود؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) [ البقرة / من الآية 184 ] ؛ نص على الطعام.
” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 3 / 140 .
والله أعلم.


